الاثنين | 15/10/2018
أخبار
الرئيسية » إبداعات الطلبة » ثقافة وتراث »   12 كانون الثاني 2016طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 793
شراهة الوجع

  

 

شراهة الوجع..!

بقلم

شهيرة بدران

دائرة اللغة العربية

  كنتُ صغيرةً جداً لأن يتحامل القدرُ على قوة كاهلي، أو أن ينازعني على الموت، فقربةُ الغرباء تبقى ضعيفة وإن اشتد ساعدُها..

  بدأ مطرُ أكتوبر بالهطول، في فوضى مرتبة.. دون أن يطرقَ باب قلوبنا ليأخذ منها عهداً أن يهطلَ دون حنين، أو حميةَ الموت التي تأتينا في الشتاء على هيئة أطياف..

  أيقظتُ النومَ من عينيّ، و أصوات قرع طبول المطر تدوي بالخارج، لا أدري  بما تحتفي، ولكنني شاركتها الاحتفال،  فبدايات المطر في الهطول، موتٌ يستحق الحياة..

  كأي امرأةٍ تحتفي بسرمديتها، اعتنقت يدي كوب القهوة الساخن، وتسمّرتُ في مكاني على ناصية النافذة، أتأمل تقبيل القطرات لبعضها البعض، قوة الشتاء في ترك حمله الذي يركنه في السماء لتحط أقداره على الأرض، ويحمّل بهمومه البشر ،لذكرى ، لرحيلٍ دون عودة، لموتٍ يهشمني، وتظفر أنيابه بجسدي الضعيف، ثم يرفعني بأرجوحته إلى السماء، فأصبحُ ميتةً في عداد الأحياء..

   الجنون الطاغي على أدمغتنا، العبثية المرتزقة  بين كل مكان، والتفاصيل التي تدس مكائدها بين هيهات الزمن، قليلٌ من الماضي، يبعثر الحاضر وينفضه هباءً منثوراً، دون العبء بعاطفة ترقد بين الضلوع والتي  قد نتجرع بها إكسير الموت لنحيا...

  أتذكرُ جيداً يوم لقائنا، كان الجو ساكناً عدا ضجيج يهمس في ذاتنا عن قدرٍ نمشي ورائه مغيبين، كرسيٌّ خشبي داكنُ اللون، أشخاص منهم من عفى عليهم الزمن ومضى، ومنهم من ولد جديداً من رحم الحياة، ولم يدرك أن الحياة ستهبه من صفاتها، وأنه سيحمل في جيناته قليلاً من متاعها، ليكون شريكاً لها، بكل ما أمكنه ذلك ولكن دون أن يعي..

أما هو..كان هادئاً من ضجيج ما حوله، ليسكنه ضجيج جنونه اللامنته، أتذكر وإن أنصفتني الذاكرة، أن عروق يديه كانت تميل لزرقة لم أعهدها، مما جعلني أطيل النظر إليها وهو يتحدث بصمت.. كانت أشبه بهبّةٍ  تجري بين جسده، لا تحمل فيها دماءه بقدر ما تحمل ثورته على ذاته...

  لم أتحدث إليه يومها، ولكن عروق يديه ظلت تنازعني على وسادتي، ولم تتركني أهنأ ولو بقليلٍ من النوم، ظلّ طيفه يعصف بي من جميع الجهات، أي جنون هذا الذي قابلته اليوم؟!

  يبدو أن الزمن ثملَ إلى الحد الذي قرر فيه أن يعيد لقائي به، على رصيف الشارع، بين ثياب مهترئة لمتسولة تقف على باب المكتبة ترجو العابرين قليلاً من حقّها في العيش، مطر أكتوبر الذي يرتعش وينزل كما وأنه وحي الرب، وعاشقان اثنان وقفا على ضفتي الشارع، ينهل كل منهما الحياة من عيون الآخر..

في المكتبة:

أول ما أتذكره صوت فيروز الذي يربت على قلبي بيد الأمل، كانت الأغنية آنذاك " أنا وشادي"..

"أنا وشادي غنينا سوا..لعبنا على التلج..ركضنا بالهوا..كتبنا على الحجار قصص صغار..ولوحنا الهوا.."

  جالسةٌ في الماضي، أقلّب صفحات الكتاب الذي بين يدي، غارقة في فحوى كلماته، تأسرني القراءة، وتكبلّ حواسي، فأصبحُ مغيبةً في واقعٍ حي..

  نطقَ بتعليقٍ ما، لم آبه لما يقول، فقد كنت في عالمٍ آخر، أعاد ما قال بصوتٍ أعلى، فسرق مني غفلتي، رفعتُ رأسي، فوجدته مبتسماً ببراءة خبيثة.. فطنَ إلى أنّني لم أسمع ما قال، فأعاد علي قوله بنصفِ ابتسامة وعينين لا ترجفان، بقلبٍ صارم، وجسدي الذي بدأ يرتعش:

-       " مساء الخير... رأيتك حالمة في عالمك، فرأيتُ أن أنشلك منه بضع دقائقٍ، لتأخذ الحروف مجراها بين فحواك".

-       "أهلاً..والرعشة تضرب بكفيها جميع ما يمكن أن تصل إليه في جسدي..، فليكن.. تفضل، ودعوته للجلوس"

-       "جميلٌ ما تقرأين.. وجذابة في عالمك وأنت قارئة...!"

-       "جميلةٌ هي عيناك، فلا يُرى الجمال إلا بالجمال". يبدو أنني أصبت في نفسه مواقعَ لم يكن ليدركها، فتداركتُ قليلاً من توتره أثر جملتي ...

-       إن ذاكرتي لخائنةٌ دائماً، ولكني أتذكر جيداً أنني قابلتك منذ زمنٍ ليس بالكثير في ندوة عقدتها الجامعة، كما أنني أراك أكثرَ من ساعةٍ في اليوم وأنت تترددين على القراءة في المكتبة..

-       صحيح... إن القراءةَ بلسمٌ تسد فيه نزف الذاكرة، لتكون أنت على النقيض، بينك وبينها عالماً بحجم هالة الكون، بحرٌ لا حدود له، ولكنه لا يغرق، بل يصوبك إلى الضفة، حتى وإن كنت لا تجيد السباحة، فما عليك إلا أن تقرأ..

"يبدو أن لكلماتي وقعاً عليه، فلمعةٌ خفيةٌ زادت إبرازَ جمال عينيه قد أحاطت بي.. أسند ظهره إلى حائط الكرسي، وتناول الكتاب من على الطاولة، وبدأ يقرأ... وقد أتاح لي في ذلك التنعم بملامحه، في كيفية إبراز جمال الله بتفاصيل وجهه المتعب، المنهمك من الحياة، المتوغل في الحب...

  نفضَ الكتاب من بين يديه، وبدأ حديثنا..كان عادياً بحجم قلبي، نقياً كزهرة الياسمين، الكتاب، القهوة، المطر، الحرب، الفقر، الألم و بضع تشتتات ..وهذا كان ما ابتدأنا به..

أكملنا الحديث، ولكن لأرواحنا كان حديثاَ آخر، استأذنتُ منه مودعةً للرحيل، فعضّ على عقارب ساعته ليوقفها برهةً، لنكسر عند هذا الحد مبدأية الزمن..

خرجتُ من المكتبة، والمطر يستقبل بي بحفاوة، أهلاً بالحب...

زادت لقاءاتنا على مرَ الأيام، ويبدو أن حظه بقلبي لم يكن بقليل، فلم أزل عندَ كل لقاءَ، أسرق من عينيه ومضة وأخبئها لليلي، وأتأمل عروق يديه تلك التي أعشقها..

كان عازفاً، شغفاً، والعشق على قدرٍ كبيرٍ منه، طالباً في كلية الحقوق، ثائراً على كل نسمةٍ يلوثها بارود المحتل، فقضى عمره ومات وهو ثائر..

   بعد سنة وشهرين من معرفتي به، التقى قلبي بقدره في يومٍ ماطر، كنت عائدة من عملي، وغيمات الشتاء تبكي بكاءً شديداً، وصلتُ منزلي متأخرة، والماء يتسرب من ملابسي من كل الاتجاهات، لا أدري  كيف قضيت ليلتها، فقد أمضيت الساعات وصوتي يؤلمني، شجنٌ من داخل رئتي يصعد ويسبب لي سعالاً رهيباً. اتصل بي، وعلم بمرضي، انتظرت توبيخه ولكنه لم يفعل، بل تحولت ثورته الخائفة إلى يد تحيط بناصيتي، تأخذ معها المرض وحرارتي الزائدة، بقي معي ما تبقى من الليل، يأخذ الألم في نزهة كلماته، يثيرني غضباً، يخبرني أن صوت أنفاسي وهي تأن جميلة، وأنني أزداد جمالاً حين أكون مريضة.

كان لهذا الصباح شيئٌ من الجمال، فإنني لأومن أن لجمالية الصباح القدرة على حمل يومك بكيفية صحوِك، فأحرص دائماً أن يكون صباحي جميلاً ليكون نهاري كذلك..

  أرسل رسالة قبيل الفجر بساعات، أتذكر أننا ظللنا نتحدث حتى بدأ صوت المؤذن ينشر عبق الإيمان، فاتفقنا على أن تكون محطة اللقاء بين يدي الله..

  بعد أن أنهيت الصلاة، كان هاتفي يمارس طقوسه الصباحية أيضاً، يملأ ثغره بصوت ملائكي أعشق ترانيمه.. يدندن للهوى والحب.. يبكي على الوطن تارة.. ويهيب في نفسك الثورة والتمرد تارة أخرى.

   كانت الساعة السابعة صباحاً، تنبهت إلى وجود رسالة منه، طلبَ مني أن نلتقي في استراحةٍ قصيرة تقع ُ إلى اليمين من باب العامود، وأرفق برسالته جرعات الحب :" أميرتي المريضة، وجهك الشاحب الجميل هذا لا يجب أن يبقى في البيت، أخرجي وأشعي بخيوطك ليبدأ نهاري..أحبك !"

  الاستراحة نصفان، لا أعلم تفاصيلها الدقيقة من الداخل، ولكن القسم الذي يطل على الشارع كان رائعاً، لا يتجاوز عدد الطاولات والكراسي العشرين، تجد فيه كل مستلذات العيش، القهوة أولاها، تلك السمراء، بارودة الثائرين وقلب الفتيات، بضع رجالٍ يجلسون على اليمين يصرخُ أحدهما، يلعن روحه التي تأبى أن تستكين في القبر، يتمنى الموت فلم يعد هناك ما يعيش لأجله، فقد أبناءه وزوجته وبيته في القصف الأخير، وبعد أن يهدأ قليلاً يتوعد أن يثور وأن يبقى يناضل ليسترد كسرة من كرامته المسلوبة، ويضعني بذلك في مواجهةٍ مع نفسي، فلا أعلم هل يريد الموت بذلٍ أم العيش برحمة؟

على اليسار كاتبٌ يبكي، يبدو أنه عاطفيّ حد الوجع، يكتب وعرقه يتخالط بدمعه، فجأة كطائرٍ تعرض أطفاله للهجوم، يمزق ورقته ويهوي بها، ويطلبُ فنجاناً آخر من القهوة ، ويبدأُ من جديد.. في المنتصف، رجلٌ عشريني أدركت من خلال زيارتي المتكررة  للاستراحة أن اسمه يوسف، فقد والده منذ أكثر من سنتين ، يكمل جامعته سنة، ويعمل في السنة التي تليها، فيكون بذلك قد قسّم جسده نصفين، عقلاً ينميه ليصعد به، وروحاً أنهكتها التعب الباكر...

مقعدي أنا على اليمين المتطرف، وسط الطاولة جريدةٌ تتناول في الحدث الأول استشهاد أربعة أطفال صبيحة اليوم، وكأس كبيرٌ من الماء ينظر إلي، فأرى بداخله ما لم تراه عيناي من قبل..

جلستُ أنتظر حسن، تناولت الجريدة، أبدأ بالقراءة وأرجوها أن تغير خطاها قليلاً، فلم يعد بوسع قلوبنا أن تصرخ أكثر..!

عدا عن أن خطوات المسافرين، ترقد هنا لبضع ساعات، يقفون في ذهولٍ لما يروه، فأجمل ما في هذه الاستراحة، أن قبة الصخرة تُخرج القليل من رأسها كطفلٍ يلهو مع أمه يطلُ عليها من حافة الباب يداعبها ويغيب..

كنت أقرأُ في الجريدة بتهكمٍ وداخلي ثورةٌ تبكي..بقيت أنتظره ولكنه لم يأت، بعد مرور ما يقارب النصف ساعة، جاءَ صبياً لا يتجاوز العشرة، وأعطاني قطعة من الجريدة، شطب ما كتب عليها وكتب فوقها:  إذا كنت تقبلين بهذا اللاجئ الفقير زوجاً لك، فإنني بعيد عنك برهة من الحب..اذهبي يميناً وعلى أولى المدرجات قفي!" لم  أدري هل أحببت مجنوناً أم إنساناً بنصف عقل، ولكن ما كان لعقلي الكامل أن يسعفني لأفكر في شيءٍ آخر عدا ما قاله هذا المجنون. نفذت ما جاء في ورقته، كان يانعاً وسيماً وبيده خاتم ، قال وهو في الأسفل مني ورأسه ثابت يعلوه الحب..أحبك! وشهدت القدس على ولادة أول احتضان كان في أكنافها.

كم أن لعينيه ترفَ العيش، وكم أن التناقضَ سعيداً بوطنه داخل كينونة الحب، أخاف من قطرات المطر أن تؤذيه، وأربط خيط رسالتي بقطرة ندى لتحط على وجنتيه، أحبه فأثور عليه، ألمٌ يولدُ من رحم الخوف، وقلبٌ عارٍ من الحياة في حضرته، ولا يحيا الإنسان مرتين، فالحياة موت في حضرته، وهو في حضرة الموت حياة..

   كان كاتباً عاشقاً لقلمه، ولطالما كنت سجينة كلماته، في ليلة البارحة، أخبرني أنه يفكر في كتابة رواية منزوعة القلب، عبارات وكلمات لا إنسانية لديها، لعل بهذه القساوة يصحو شيءٌ فينا، يتحدثُ عن الظلم، ودمعة يتيم في جوف الليل، امرأة تعمل وهي مبتورة الأيدي، رسامٌ يرسم بدمه نظراً لانقطاع الألوان، فاللون السائد هنا هو الدم، وحيٌّ لا يعيش الحياة، بل يعيش الموت في بيته وفي طريقه، في تفاصيله اللامنتهية، حتى في موته يعيش الموت، فنحن شعبٌ نعيش حياة واحدة ونموت مرتين وثلاثة وأربعة..

   تبدأ أنامله بالعزف، و أنا مع التيه أنمو، فلا ضفة لي بموسيقاه، يلجُ بحري هائماً على وجهه دون وجهة، يمسك الكمان، ويسرق من مارسيل لحن العودة، يغنيه، تدمعُ عيناه، يبكي دون أن يعي، ينسى تماماً أنني أشاطره ألمه، يترك الموسيقى ويقفُ منتصباً، يمسك بسيجارته الممشوقة ، يقفُ على النافذة، ينظر إلى الخارج مستميتاً، يتألم دون أن يكون هناك موضع ألم ظاهر ثم يجلس إلى طاولته ويبدأ بالكتابة..

"حبيبتي، عاهدتك ألا أغيب ولشدة وفائي بعهدي..سأغيب ! قد انتهى عداد الحياة هنا، فلا حلّ سوى الرحيل، سأترك لك أوراقي وتشتتات قلمي، وعبثيتي بكل زقاق، لا تجميعهم، دعي أقدامهم ترنو إلى ضفتيك، فأنت لقلوب البشر عاشقة، قد لا تعين حقاً ألم الابتعاد، أنت المحيا ولكنك لست الممات، لن أقفَ أمام رجزَ الكلمات، لن أستنشق أنفاسك، أو أنظر إلى عينيك وأشيّعُ بعد ذلك هائماً للحب، لن أتسكع طفلاً بين ثناياك، أو أمسك يديك وأقبلهما ثم أنثرهما فوق رأسي أوراق التوليب، سأظل دائما أنتشي حضورك بغزليتي التي تخلو من البراءة.. إني أحبك فأنت الوطن وما بعدك لا حياة ! سامحيني، ولتكن روحي لقلبك صديقة! "

  كنت أدرك تماماً انه لا يقصدني بما يقول، قرأت كلماته دون أن يدري ، وبدأ قلبي بالركض ليطمئن إلى نفسه، شهقة أخذت تكبلني وتحيط بأنفاسي، متيقنة إلى حد الإيمان أنه يعشق بلده ، ولكن هل يدفعه هذا إلى الموت ؟، دائما كان يقول لي، إن فلسطين بحاجة لنا أحياء بقدر حاجتها إلينا شهداء ، سلسلة من النكبات، ودموعٌ لا أعلم مسقط رأسها تحيط بي وتمزق ما تبقى من قوتي، ألمٌ يمسك بأهداب عيوني ويهزني بلا هوادة، لماذا يودع حسن فلسطين؟!

بعد ثلاث أشهر، كانت الأرض تخرج أرواح رجالها إلى السماء، لتنتفض القدس بما أمكنها ذلك، انخرط حسن بذلك حتى أصبح كل يومه ما يحدث، وكنت أنا أعمل مراسلة صحفية لدى إحدى الصحف المحلية لذلك يتوجب علي دائماً أن أكون في الميدان دائماً أغطي ما يجري من أحداث..

فترت لقاءاتنا قليلاً، ولكن مع ذلك لا يخلد النوم إلى سريره يوماً دون أن يترك لي نص رسالة أو بضع دقائق من الحديث..

كان فجراً كألف سنة مما يعدون !

لم تواطأت الأشياء التعيسة ذاك الصباح لجعل العتاب أكثر قساوة بالنسبة لي؟!

لم أكن لأدع الحب يسرق مني عمري الذي فقدته ذلك اليوم، لم أكن لأدع الوطن يكسرني بهشاشة، وأظل صامتة..!

كنت مجرد صحفيةٍ أتنقل بين المشاهد لأثبت براءة أطفال بلدي، وأنهم صغارٌ جداً على الموت هكذا، أصور فتى وأنقل عدستي إلى آخر، ثم إلى شابٍ أصيب بشللٍ ولم يقوَ على الحراك، تأتي الإسعافات وتمنع من الدخول، فيقف الموت على عكازه ويبصقَ على البشرية، يمسك بيد صديقه ويكملون دربهم إلى رب السماء..

اشتدّت المواجهات، ولم نعد نستطيع الوقوف إلا بصعوبة جمة، واضعين حياتنا على الحاشية، وكل ما نريد أن نبلغه هو نقل المشهد..

كنت على بعد ثلاثة أمتار من العدو، ألتقط عدستي بيمن ويسرة، أمسح الغبار عن وجهي، ليرتفع فجأة الصراخ:" الله أكبر، استشهد، احملوا الشهيد ويا إمو زغرتي "...

يأتي الشهيد، أسقط أنا من ذاكرتي، كانَ حسن، محمولاً بدمه، مروياً بالأحمر !

لعل انتماء الحاضر إلى الماضي سرطاناً روحياً أفتك من سرطان الجسد، وأن الحزن فوق قدرة الكتابة، حزن يرهقك ولا تختصره الكلمات، حزن تحجل منه ، أو يبكيك كما، أفعلُ أنا الآن..!

ترك لي حسن راية بيضاء أثقل من جسدي على روحي، حمّلني دماءه واغرق يداي بثأره، أصبحت أرى طيفه في كل زاوية، على سطح المنازل يقفُ كالطفل يلوح لي بيد واليد الأخرى يسندها إلى جنبه، ليتجمّد السطح وكأنه يقول لي ثوري..

على شط يافا، يقفُ رجل بنصف جسد في عرض البحر، يصرخُ لشيء ما، أرهف السمع، ولكني عصية على أن أفهم ما يريد أن يقول، يختفي طيفه فجأة، يرتفع هدير البحر، حتى أصبحت أرى أن الأمواج تصرخ أيضاً، وكأن الثورة تجاوزت الأحياء...

ما كان يجمعنا دائماً، في المكان الذي أهداني فيه حجر الجنة، على الضفة الأخرى منه، المشهد الذي رأيته فيه ميتاً.. ""باب العامود"" زرته بعد الحادثة باسبوعين، وقفت ألطم حجره أبكي، تحول حديثي إلى شجن..لماذا هو !!

ذهبت إلى غرفته لأستعيد ذكريات تسقط من سقف دماغي كالجثث، تميت بي، جلوسنا بالركن من هنا ، عندما قال لي مرة :" أنا لكِ حين يكون الوطن لنا، أنا لكِ حين أمشي بين الزقاق حاملاً بيدي برتقال حيفا وذرة رمل من يافا، أنا لكِ حينما أمسك بيدك على سور عكا، ويمشي الحب متباهياً بقلبه الممتلئ بنا، أنا لكِ حين تلامس جباه المصلين أرض الأقصى..أما الآن دعيني أمسك كفك لأشعر أنني أملك العالم. وسيري معي إلى اللحظات السعيدة..!"

يبدو أن الفراق هو من جمعنا، أو أن أقدارنا أكبر من أن تتسع لها الأرض، كان لا بد أن تكون هناك نهاية سعيدة أكثر رأفة بي، كأن تجمعنا قطعة صغيرة من الأرض، جدرانها ثورة تنادي بأسمائنا، تقع في الجهة الغربية، حسن كان مولعاً بغروب الشمس، دائماً ما كان ينتظرها عند  الباب  لتعود إلى بيتها، حاملاً بيده قهوة وقطرات الحبر، تمهيداً لإتيانها، كان من الممكن أن يكون لنا أطفالاً الصبي اسمه وطن والفتاة اسمها غزة، ولكن الموت رحل  وترك لي صندوق الأماني ...

بعد فترة ليست بقليلة، خرجت من البيت،  دخلت المكتبة ذاتها التي اجتمعنا فيها بأول لقاء، وقفتُ أبكي على الباب، تنبه البائع إلى وجودي فدعاني للدخول، جلست على ذات الطاولة، وبدأت فيروز تغني لي حباً يعيش برئة ترثي..

المكتبة ذاتها، الطاولة، الأغنية ، كل التفاصيل ولكن على مائدة الموت..

"اندهلو ما يسمعني، ومن يومتها ، ما عدت شفتو، ضااااع شادي..."

أي قدرٍّ هذا؟؟

من حسن إلى يافا ...

" حبيبتي، ملاك الجنة، عتقي من النار، أتعلمين شيئاً ؟ قالت لي أمك مرة انك تبكي أحياناً وأنت نائمة! يا الله كم أنت رقيقة، أحبك جداً وأحب الله الذي يحبني لأجلك، أحب فلسطين أيضاً، أنتما تتشابهان، جميلتان ولكنكما صعبتا المنال، أنت خطيبتي الآن، في عصمة حسن، أما فلسطين، فهي لا تزال خلف القضبان تنتظر..وأنا مبعدٌ عنها، لا أستطيع ضمها. أتعلمين؟ لا أؤمن أن بلدي هي أرضٌ تمتد من أقصى الشمال إلى الجنوب، إن فلسطين هي اكبر من أن تكون رقعة جغرافية، هي ما بين القلب والرئة، هي الحياة، هي كل شي..

أتعلمين ما هي أمنيتي؟ فليأخذوا كل قصور العالم، ويبنوا لي من أحجار فلسطين قبراً..

يافا أنت وفلسطين أحبكم ! كونوا بخير لأجلي "!

حسن.."