الاثنين | 15/10/2018
أخبار
الرئيسية » إبداعات الطلبة » ثقافة وتراث »   11 كانون الأول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 747
قراءة في مسرحية ( أنا حرة ) لفالنتينا أبو عقصة

قراءة في مسرحية ( أنا حرة ) لفالنتينا أبو عقصة

بقلم: أميرة عبدربه

  فالنتينا أبو عقصه، فنانة مسرحية وشاعرة فلسطينية، لم تكن تربطني بها علاقة لا في اسم ولا عمل لرؤيته أو السماع عنه، حتى وقعت بين يدي نسخة ورقية عن مسرحيتها التي لفتني عنوانها الصارخ من كاتبة- أنثى - ب "أنا حرة"، فالنتينا أو المرأة الجريئة استطاعت أن تحوّل معاناة وأسى الأسيرات الفلسطينيات داخل غرف التحقيق التابعة للاحتلال الصهيوني، من مجرد كونها أرقام وملفات تنقضي مع مرور الزمن، إلى واقع قابع تحت أعيننا من خلال تجسيد حقيقي لآلية التحقيق البشعة التي تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات، وذلك كان واضحا ومحسوسا، أي "سهل التخيل" بأن نعيش مكان الأسيرة المعذَبة رغم قساوة ما حدث ويحدث، وإن دلَ ذلك على شيء فهو دال على مدى قوة النص التي كانت سطوره ناطقة ليست بخرساء وأوراقه حكاية للمكان وليست صماء، وكأن الكتاب بمشاهده المحكية يجسد غرفة التحقيق في داخل سجون المحتل الصهيوني بلا مبالغة
   مسرحية "أنا حرة"، مكونة فقط من 4 شخصيات وهي:

1_ الأسيرة الفلسطينية وهي في منتصف العشرينات.

2_  المحقق في بداية الخمسينات.

3      _ السجَان في أواخر العشرينات .

4_ سجين في الكواليس " صوت الأنين والتعذيب".
والشخصيتان الرئيستان والمحركتان للمشاهد هما : الأسيرة الفلسطينية والمحقق الصهيوني، رسمت فالنتينا من نسج شهادات حية من مقابلات عدة لأسرى وأسيرات فلسطينيات حالة الأسيرة ودور المحقق بطريقة لا غموض فيها وقريبة للواقع. فآلية التحقيق التي اتبعها المحقق الصهيوني بلغت أشد أنواع الذل والتحقير والإساءة والإهانة من تحرش بمختلف أنواعه، ورشق بالمياه، والشبح والضرب، والدفع بقوة على الأرض والصراخ ومحاولات الخنق، كل ذلك وما خفي أعظم، وعلى الرغم من كل تلك الأساليب اللاإنسانية إلا أنها لم تقف ولم تكن رادعة لقوة الأسيرة الفلسطينية وثباتها على مبادئها فهي امرأة "حرة".
غرفة صغيرة وإضاءة باهتة، آثار الضرب والشبح والدم على جسدها وكأنها لوحة دموية بهيئة بشر، تجلس الأسيرة على الكرسي وأمامها المحقق الصهيوني الوحشي جالسا على الطاولة،  آخذا وضعية الراحة بقدمين متمددتين على جسدها، ويبدأ بالضغط عليها مرة أخرى للتحقيق معها وإجبارها على الاعتراف بما قامت به والتوقيع على أوراق ""مرشومة"" باعترافات واهية باللغة العبرية، يقول بأنها اعترافات من أحد رفاقها عليها، فأخرج صورته من جيب قميصه فحاولت الأسيرة إخفاء معالم التوتر من على وجهها وأنكرت معرفتها به ورفضت التوقيع، فأخذ المحقق يسبها بكلمات نابية " يا....." وبهذه العبارات التي استفزتني أنا كقارئ للمسرحية وفي كل مرة ترفض بها الاعتراف يُسمعها بمثيلها وأسوأ، لكنها تبقى صامدة وكأنها صمَاء. إنكارها ورفضها بالاعتراف ليس فيه شيء من الخوف من محقق أو سجَّان إنما إصرار وثبات ويقين منها باختلاف المفاهيم والمبادئ بين صاحب الحق ومغتصب الأرض.
وإن كانت فالنتينا لم تذكر ما هو العمل النضالي الذي قامت به الأسيرة الفلسطينية بالتحديد، ولكن يمكنني القول بأنه مهما كان فبالتأكيد هو عمل بطولي نضالي لأجل الوطن لا لمصلحة فصيل، حيث بدا ذلك جليا من خلال حوارها مع المحقق وهذا ما أكدته الكاتبة.
رغم بشاعة ما حدث للأسيرة الفلسطينية بقي المحقق متعجبا من تحولها لسيدة المكان وهي في أوج ضعفها، فأي قوة تلك التي تمتلكها الفلسطينية ؟!
محاولات وأساليب وحشية من قبل المحقق وكلها باءت بالفشل حتى وصل الأمر به إلى التعرض لها، فتارة يلف جسدها ليرغمها على رؤية صور غير لائقة يتبعها بكلمات بذيئة، وتارة يعنفها لإخضاعها للاعتراف بما فعلت لعلمه بمدى حرص الشرقية على شرفها .

 

 أحضر المحقق الأوراق ليجعلها توقع على الاعترافات ظانَا أنها ستخضع له، فأخذت الأسيرة الأوراق لتوقع بالفعل، حتى استعاد المحقق الأوراق من بين يديها وبدأت ملامح الغضب تعلو وجهه لسطور وطنية استطاعت أن تخطها بالرغم من قذارة المكان والحوار، فكتبت: " طز فيك، لأ فيكو في النظافة والعفة تبعتكو...". فانهال عليها المحقق الصهيوني بالمسبات المسيئة ولف ذراعه حول عنقها حتى كادت تختنق، وظل التحقيق يسير بأسلوب التهديد حتى قامت الأسيرة بضربه في آخر مشهد للمسرحية، وهنا يصل المحقق إلى ذروة غضبه حيث يرمي الأسيرة على الأرض ويرشقها بالكلمات النابية، حتى أمر السجَان بتقييدها  بالخزانه وهي أشبه بالتابوت كأقسى أنواع التعذيب، وتبقى الأسيرة على الأرض تتنفس الصعداء وتردد "أنا حرة، غصبن عنكن أنا حرة".
بالبسالة والشجاعة التي أظهرتها الأسيرة الفلسطينية من جسد هزيل وبقوة نابعة من إرادتها و إيمانها بعدالة القضية الفلسطينية، استطاعت أن تظهر "فالنتينا" لنا بأن " أنا حرة"، أي العنوان تكون فيه الأسيرة حرة بمعتقداتها وـمبادئها وفكرها وليس المقصود حرية المكان الذي حتما سينجلي.