الاثنين | 15/10/2018
أخبار
الرئيسية » دراسات وأبحاث »   02 كانون الأول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 770
الهُوية الثقافية العربية وتحديات العولمة في فكر العلامة ناصر الدين الأسد

 

 


الهُوِيَّةُ الثَّقَافِيَّةُ العربيّةُ وتحدّياتُ العولمة فِيْ فِكْرِ العَلَّامَةِ نَاصِرِ الدِّيْنِ الأَسَدِ

الدكتور زين العابدين العواودة، أستاذ الأدب والنّقد المشارك، دائرة اللّغة العربيّة في جامعة بيت لحم

الملخّص: تهدف هذه الدّراسة إلى التّعريف بجهد العلّامة ناصر الدّين الأسد في الحفاظ على سيرورة اللّغة العربيّة لسانًا وفكرًا وهويّة في ظلّ الغزو الثّقافيّ العولميّ الطّاغي على حياتنا بوصفها مقوّمًا رئيسًا من مقوّمات الهويّة الثّقافيّة العربيّة مع الدّين والأدب، كما عبّرت عن ذلك مقولاته الثّقافيّة وطروحاته حولها. وقد تناولتها في ثلاثة محاور هي: منظور الأسد في تأويل المصطلحات المتداولة في الخطاب العربيّ المعاصر، ودور تداوليّة المصطلحات العولميّة في توجيه الفكر العربيّ المعاصر، ومستقبل الهويّة الثّقافيّة العربيّة.

Arab Cultural Identity and The Challenges of Globalization at The Thought of Prof. Dr. Nasir al-Din al-Assad

Dr . Zein al Abideen Al 'Awawdeh, Associate professor of literature and criticism, Arabic language department at Bethlehem University

Abstract:

 This study aims to identify the effort  of  Prof. Dr. Nasir al-Din al-Assad in maintaining the process of Arabic tongue and thought and identity in a cultural invasion globalized dominant on our lives as an ingredient president of the elements of the Arab cultural identity with religion and literature, also expressed that cultural statements and arguments around . It has been dealt with in three  elements: the perspective of Prof. Dr. al-Assad in the interpretation traded in the contemporary Arab discourse terms, and the role of deliberative Globalizing terms in the steering contemporary Arab thought, and the future of the Arab cultural identity.

 

مستهلّ:

   العلّامة الأسد صاحب أطروحة فكريّة وسطيّة لها أُدلوجتها النّابعة من عمق انتمائه للعروبة عِرقًا والعربيّة لِسانًا وثقافةً وهُويّة حضاريّة. ولعلّ أهمّ سؤال مطروح في هذا الموقف الاستذكاريّ التّكريميّ له هو؛ ما موقف العلّامة الأسد المُفكّر من أنساق الهُويّة الثّقافيّة العربيّة وإرثها الحضاريّ ومستقبلها في ظلّ عالم متغيّر ؟ ولبلوغ الحقيقة في استجلاء هذه الموضوعة يحتاج الباحث الوالج عالم ناصر الدّين الأسد الفكريّ إلى طول نظر ودقّة بصر في إرثه الموزع على رقعة زمانيّة مديدة بلغت زهاء السّتّين عامًا من العطاء إلى جانب خفايا سياسيّة وإيديولوجيّة متّصلة بما شغله من مناصب في ميادين التّعليم العالي والبحث العلميّ والإدارة الجامعيّة والمؤسّسيّة والسّفارة والوزارة والسّياسة العامّة، ومنها صياغته لعديد الخطابات السّياسيّة للملك الرّاحل حسين بن طلال. وكانت في زمنها ذات تأثير في رسم سياسة الأردنّ الدّاخليّة والخارجيّة. ولم يفصح عن أهمّيتها في صناعة القرار الأردنيّ السّياديّ في زمنها، برغبة منه حتّى بعد سؤاله عنها. ولا يجد الباحث مدوّنة له تروي سيرته الذّاتيّة الكاملة ([1]) على شاكلة ما كتبه أقرانه؛ الرّاحل رفيقه إحسان عبّاس.

  وللإجابة عن سؤال الدّراسة سرّحت ناظريّ في إنتاجاته باحثًا منقبًّا عن مقولاته الثّقافيّة متأمّلا لها فوجدتني أمام عالم مفكّر طرح جملة من الأسئلة المفصليّة في القضايا التي وقع حولها الجدل الفكريّ والثّقافيّ العربيّ في عصرنا وشارك في الإجابة عنها. هذا ما تفصح عنه إنجازاته العلميّة ومحاوراته الشّاهدة عليه وعلى عصره في كتبه وتحقيقاته ([2]) وأبحاثه ومراجعاته وترجماته ([3]) ومحاضراته ومقابلاته. ووجدته واقفًا وسطًا بين المحافظين والمجدّدين حاملا لواء الدّفاع عن الهويّة الثّقافية العربيّة بفكرٍ معتدلٍ مستبشرًا بعودة ألقها من جديد، وذلك عندما قاربت بين طروحاته الفكريّة والعلميّة المعرفيّة والثّقافيّة وطروحات مفكّرين عاصرهم من أمثال طه حسين وسيّد قطب وأحمد أمين وغيرهم، وكذلك عند شاهديه من المفكّرين المعاصرين له من أمثال محمود أمين العالم وأدونيس ومحمد أركون ومحمد عابد الجابريّ وعبد الوهّاب المسيريّ ونصر حامد أبو زيد وغيرهم.


  ولعلّ أبرز موقف علميّ يستدعي التّنويه بجهده الكبير هو بحثه لقضيّة الشّكّ في صحّة الشّعر العربيّ الجاهليّ، وهي المسألة التي أثارتها شبهات المستشرقين الذين بحثوا موضوعة تأصيلها وخاصّة ما طرحه المستشرق الإنجليزيّ ديفيد صموئيل مرجليوث في مقالته المشهورة "أصول الشّعر الجاهليّ"([4]). وكذلك طه حسين في كتابيه (في الشّعر الجاهليّ) و(في الأدب الجاهليّ) ([5]). وعدّ باحثون معاصرون كتابه الأخير حاشية على كتاب المستشرق البريطانيّ ديفيد مرجليوث، ومنهم ناصر الدّين الأسد نفسه، وذلك عبر دراسته الضّافية (مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة) ([6]) التي تمثّل مرجعًا أساسيًّا في هذا الباب، بل غدت آراؤه فيها عمدة الباحثين المعاصرين في الشّعر الجاهليّ. ومن هنا كانت معرفتي الأولى بالأستاذ الدّكتور ناصر الدّين الأسد في مرحلة الدّراسة الجامعيّة الأولى عندما تلقيّت مادّة الأدب الجاهليّ على أستاذي العراقيّ الدّكتور يحيى الجبوريّ في جامعة قطر، وقد وردت الإشارة إلى كتاب الأسد فَرُحت وقتئذٍ أتصفّحه وأطالعه باهتمام في مكتبة الجامعة. وتوطّدت عندي معرفته باحثًا عالمًا في مرحلة دراستي للماجستير في جامعة اليرموك حين أعددت بحثًا حول قضيّة "النّحل أو الوضع في الشّعر الجاهليّ" لعرضها ومناقشتها في ندوة الأدب الجاهليّ أمام أستاذي الدّكتور عفيف عبد الرّحمن وزملائي في النّدوة، وكان كتابه آنف الذّكر المرجع الأهمّ فيه، وكنت حينها قد تضلّعت في استقرائه وفهم رسالته القيّمة، وازداد تضلّعي به بعد اطّلاعي على مصادره وعبر النّقاش العميق الذي أجيل حوله.

  ومن أهمّ الأفكار التي تُطرح حول كتابه أنّ تأليفه جاء ردًّا على طه حسين، وهو ما نفاه العلّامة الأسد في معرض بيانه للدّافع وراء تأليفه أطروحته وموقفه من آراء طه حسين المعروضة في كتابيه (في الشّعر الجاهليّ) و(في الأدب الجاهليّ) إذ يقول([7]):" ذهب كثيرون ممّن قرأوا كتاب (مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية) إلى ما ذهبتم إليه من أنه ردٌّ على الدكتور طه حسين وعلى كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي طبع سنة 1926م وكان في أصله محاضرات ألقاها قبل سنة من طباعته على طلبة كلية الآداب بالجامعة المصرية، ثم عدّل بعض ما ورد فيه وزاد عليه في طبعته الثانية التي صدرت سنة 1927م وتوالى صدورها مرارًا. بل إنّ الدكتور طه حسين نفسه ذهب إلى هذا الرأي في البدء وظنّ أنه ردّ عليه. ولكنّ الحقيقة أنّ هذا الكتاب كان تصويرًا للحياة الثقافية العربية في الجاهلية من جوانبها المختلفة، وخاصة ما يتّصل منها بمدى شيوع الكتابة وأنواعها وأدواتها، وموقف الرّواة من نقل الشعر الجاهلي وتوثيق هؤلاء الرّواة، وتفنيد كثير من الروايات والأحكام التي انتشرت في كتب التراث عن الرواة وعن نحل الشعر الجاهلي ووضعه وتقديم مقياس أقرب إلى الدقة لمعرفة الصحيح من الموضوع في هذا الشعر".

   وفي هذا التّوضيح دليل على وعي نقديّ عالٍ بأنّ المسألة المبحوثة لا يتّصل باعثها بطه حسين وحده وإنّما بكلّ من تناولوها، وأنّ تناول موضوعها جاء من باب أنّها تمثّل إشكاليّة علميّة تستحقّ الدّراسة. وهو ما أفصح عنه العلّامة الأسد عبر تجلية موقفه من موضوعة التّوجيه الخاطئ لسبب تأليفه كتابه لدى من قرأه من الباحثين قراءة مغايرة للغاية التي من أجلها صنّفه. وهي كما تبدو من كلامه دراسة تأصيليّة للشّعر الجاهليّ، إذ يقول ([8]):" وكان لا بدّ لكلّ هذه الموضوعات أن تتضمن من التّوضيح والشّرح ما يقلّل من شأن آراء الدكتور طه حسين التي وردت في كتابه الأول ويضعف نظريته عن الشعر الجاهلي. وقد استعملت كلمتي "يقلّل" و"يضعف" هنا ولم أقل "ينقض" آراءه ونظريته، وذلك لأنّ الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا في جملته، أو في مجموعه، شعر صحيح أصيل، ولكن فيه شعر موضوع يتمثل في أبيات ذكرها النقاد القدامى أو قصائد واضحة الوضع والزّيف، وكذلك اختلف بعض الرواة في نسبة قسم من الشعر الصحيح الأصيل إلى قائليه، ولكن ذلك لا يجعله من الشعر الموضوع، وإنما هو شعر قاله شاعر جاهلي من الشعراء الذين اختلفوا في نسبته إلى أحدهم لأسباب أدبية واجتماعية لا مجال لذكرها هنا، وإن كنت فصّلت القول فيها في الكتاب .أمّا الردّ على آراء الدكتور طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهليّ) ثم (في الأدب الجاهليّ)، فقد استوفاه عدد كبير من الذين تصدّوا له منذ صدور كتابه سنة 1927م، واستمروا في ذلك سنوات طوالا، سواء أكانت ردودهم في مقالات ضافية في الصحف والمجلات ثم جمعوا بعضها في أسفار أم كانت ردودهم في كتب ألّفوها ابتداء، وكانت ردود بعضهم علمية منهجية وجاءت ردود آخرين دون ذلك حافلة بالتّهجم ".  

   وهو تفنيد يعكس دقّة منهج العلّامة الأسد العلميّ في الاستقصاء والاستقراء والتّأصيل وبيان الحقيقة العلميّة المجرّدة عن الهوى الشّخصيّ، وقد خطّ بهذا الأسلوب منهجًا علميًّا صحيحًا في تتبّع القضايا الإشكاليّة في تاريخ النّقد الأدبيّ العربيّ القديم والحديث وأضاءها وأصّلها بفكر مستنير خلّصها من شبهات المستشرقين ومن اتّبع نهجهم من النّقّاد العرب المعاصرين. وهذا عين ما أثبته في مقدّمة كتابه ([9]). ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ عناية الأسد باللّغة العربيّة وقضاياها القديمة والمعاصرة لم تكن" من باب الاهتمام بتخصّصه العلمي فقط، بل جاءت في سياق انتمائه القومي ودفاعه عن قضايا الأمّة، فالعربيّة عنده ليست قواعد ونحوًا وصَرْفًا وإملاءً ومعاجم فقط بل هي لسان الأمّة وركن أساسيّ من أركان هوّيتها، فالدفاع عنها هو دفاعٌ عن الأمّة قبل أن يكون تصحيحًا لخطأ شائع وتنبيهًا على قاعدة لغويّة" ([10]).

   ومضيت قُدُمًا في التّعرّف إلى جهده العلميّ عبر تحقيقاته المميّزة لبعض دواوين الشّعراء الجاهليّين؛ من مثل ديوان قيس بن الخطيم وديوان الحادرة. وكذلك عبر دراساته المختلفة في حقول اللّغة والأدب والفكر والثّقافة العربيّة التي ربت في مجموعها على السّبعين بحثًا. وقد أهداني قبل سنين زميل عزيز تتلمذ عليّ في جامعة بيت لحم وعليه في الجامعة الأردنيّة كتابًا مُهدى إليه بعنوان "قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد" ففتح ناظريّ على مكانته العلميّة المرموقة، عبر سرد سيرته العلميّة وكذلك البحوث التي تناولت جهوده العلميّة المميّزة وتنوّعها وتنوّع اهتماماته المعرفيّة خارج نطاق تخصّصه، فبتّ أقربَ إلى التّعرّف إليه على نحو أعمق ([11]).

   واشتمل الكتاب على جملة من الدّراسات القيّمة في حقول الأدب واللّغة والنّقد، ومنها ما اتّصل بدراسة كتابه (مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة) والإبانة عن قيمته مرجعًا مهمًّا في تأصيل الشّعر العربيّ الجاهليّ، بل في تأصيل ملامح الحضارة العربيّة في العصر الجاهليّ. وأفاد من معينه عديد الباحثين المعاصرون واتّخذوه حُجّة في بابه. يقول أحد الباحثين مقرّظًا الكتاب ومبّينًا حجيّته في حقل اختصاصه([12]):" منذ أن توطّدت علاقتي بكتاب "مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة" في مراحل دراساتي إلى الآن-إذ لا يستغني دارس ذلك العصر عنه- بما تناوله من معرفة دقيقة وواسعة في ذلك العصر، وفي شعره، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة فيه إلا وعاها، وتعمّق في وصفها، وتوسّع في فروعها، واستشفّ معانيها الحقيقيّة من خلال تأويل نصوصها وخلف سطورها، فجاء وحيدًا في بابه، وظلّ مهوى الدّارسين، ومعتمد الباحثين، منذ أن أخرجه إلى القارئ العربيّ، وما زال لا ينافسه كتاب في مجاله". وهو ما يشي بأصالته ورصانته العلميّة.

  ويقول باحث ثانٍ في معرض تثمينه لمنهجه العلميّ في كتابه القيّم([13]):"ويعدّ ناصر الدّين الأسد في طليعة الدّارسين العرب المحدثين الذين أخذوا أنفسهم بالمنهج العلميّ في التزام عجيب، وإصرار صارم". ويقول باحث ثالث في تقويم منهجه في تفنيد آراء مرجليوث ([14]):"وكانت مسيرته العلميّة تدلّ على فهم طبيعة البحث العلميّ، إذ بدأ من أوّل السّلّم -كما يقولون- وكان الشّعر الجاهليّ أوّل طريقه الذي سار فيه خلال خمسين عامًا أو يزيد، لأنّه يؤمن بأنّ "الشّعر الجاهليّ هو الأصل الذي انبثق منه الشّعر في سائر عصوره، وهو الذي أرسى عمود الشّعر في سائر عصوره، وثبّت نظام القصيدة، وصاغ المعجم الشّعريّ العربيّ عامّة"... إنّ تحديد القدماء للمنحول والموضوع ينفي الشّكّ بالشّعر الجاهليّ كلّه. وكانت هذه المسألة من أهمّ المسائل التي شغلت الدكتور الأسد وهو يضع كتابه ( مصادر الشعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة)". وبهذا يكون العلّامة الأسد أوّل باحث عربيّ يدحض شكوك المستشرقين وشبهاتهم حول صحّة الشّعر الجاهليّ بإثبات تدوينه في عصره واتّصال روايته النّاقلة لنصوصه حتّى عصر التّدوين وحجّيّة مصادره الموثّقة لها.

   وشاهدت عديد المقابلات المُتلفزة له حول موضوعات شتّى كان أهمّها حديثه عن سيرته الذّاتيّة على قناة دليل الفضائيّة السّعوديّة ([15]). وطالعت له ندوات علميّة ألقاها في موضوعات مختلفة وفي محافل شتّى. واللافت للنّظر فيها جميعها أنّها تصبّ في بوتقة واحدة هي الدّفاع عن الهويّة الثّقافيّة العربيّة والكشف عن سُهمتها في بناء الحضارة الإنسانيّة المعاصرة ككلّ، ومحاولته بناء معجميّة عربيّة للمصطلحات الدّالة عليها، مُنَاهَضَةً ودفعًا للإسفاف اللّغويّ والمعرفيّ والثّقافيّ الجاري على ألسنة عديد المثقّفين والإعلاميّين العرب بما فيها الشّائع على ألسنة النّاس ممّا حصّلوه من وسائل الإعلام التي تكرّس التّبعيّة الفكريّة للغرب عبر تهجين اللّغة وتطويعها للدّخيل الغريب المشّوه لها ولفكر أهلها.

   وكان-رحمه الله-صاحب فكر وسطيّ متنوّر، وشديد الاعتداد بالتّراث الحضاريّ العربيّ. كما كان يمثّل امتدادًا فكريًّا للرّوح العلميّة في عصر نهضة الفكر العربيّ في خمسينيّات القرن الماضي فقد التقى طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين وسيّد قطب ومحمود محمد شاكر وعبد السّلام هارون وشوقي ضيف وحاورهم. كما التقى عديد النّخب العلميّة والفكريّة في بقاع الوطن العربيّ المختلفة وحاز على التّكريم والتّقدير منهم ([16]). 

   وما يعنيني هنا -بعد هذه التّقدمة- هو التّعريف بمقولات العلّامة ناصر الدّين الأسد العلميّة والثّقافيّة التي شكّلت مرجعيّة مهمّة لعديد الدّارسين المعاصرين وكشفت في الوقت عينه عن سعة علمه بحقله العلميّ أولا وتواصله المعرفيّ والثّقافيّ بواقع أمّته المأزوم وتأثيره فيه تاليًا. فوجدت فيها غنًى عبر استقرائي لكتبه ومقالاته ومقابلاته ذات الصّلة بمواقفه المعبّرة عن آرائه الفكريّة ورؤاه تجاه القضايا العربيّة الرّاهنة في مقولاته الثّقافيّة التي تنوّعت مباحثها وأبوابها فشملت الأدب العربيّ على امتداد عصوره إلى العصر الحديث والتّحقيق والثّقافة العربيّة والعولمة والفكر والتّربية وغيرها.

  وكان للمصطلحات المتداولة في الحقل الثّقافيّ العربيّ المعاصر اهتمام خاصّ لديه، إذ اتّخذها مدخلًا للولوج إلى مناقشة دوالّها اللّغوية وبسط الرّأي في صلتها بالواقع التّداوليّ لخطاباتها في الحقول السّياسيّة والفكريّة والثّقافيّة والعولميّة، محاورًا بها مثّقّفي العصر وعامّتهم في آثارها وأبعادها على مستقبل الإنسان العربيّ وهويّته الحضاريّة في مجتمعاته القلقة. وكان واضحًا في تركيز اهتمامه على المصطلحات الشّائعة في الخطابات السّياسيّة والإعلاميّة والثّقافيّة العامّة مبرزًا مفاهيمها وأهميّتها وخطورتها في بناء الوعي الفكريّ والمعرفيّ بما يتربّص الأمّة العربيّة من مشكلات ومنزلقات قد تقود إلى تفكيك منظومة قيمها الدّينيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة العامّة وتهديمها بفعل الانقياد والتّقليد الأعمى للغرب المُتسيّد وفوضى استخدام المصطلحات، تحت ضغوطات خطاب العولمة المتخطّي لحدود خصوصيّة الهويّة الثّقافيّة العربيّة ([17]).

أولا: منظور الأسد في تأويل المصطلحات المتداولة في الخطاب العربيّ المعاصر:  

  يقف العلّامة الأسد في بحثه للمصطلحات المتداولة في الخطاب العربيّ المعاصر عند أشهرها استعمالا واعتمالا في فكر النّاس وأبرزها إثارة للشّبهات في أذهان المتلقّين العرب. وقد استُخدِم عديدُها للطّعن في هويّتهم الحضاريّة في غفلة منهم عن إدراك كنه دلالاتها ومراميها التي تضرب في عمق انتمائهم لهويّتهم الثّقافيّة العربيّة. إذ لم يشهد تاريخ الإنسان العربيّ على امتداد عمره الوجوديّ والسّلاليّ على أرضه حملات مُمَنْهَجَةً لطمس إرثه ودوره في بناء الحضارة الإنسانيّة الحديثة، كما يمرّ به في عصرنا الحديث، وذلك عبر وسائط العولمة(الأمركة-الأسرلة) المختلفة.

  وهو ما نبّه إليه العلّامة الأسد عبر حديثه عن مستقبل اللّغة العربية في عصر العولمة، إذ يرى أنّ العربيّة تواجه في هذه الأيّام تحدّيات جديدة منها العولمة، ودعوات التّشكيك بقدرتها على الوفاء بمطالب العلم الحديث، وإشاعة مصطلحات جديدة ذات مفاهيم تحلّ محلّ المفاهيم الأصلية للأمّة، ونشر أنظمة الفكر والتعليم ومصطلحاتها وتعميم أنموذج مؤسسات تعليمية أجنبية، ومحاولات تفريغ المناهج والكتب المدرسية والجامعية من النماذج التأصيلية للّغة ([18]). لذلك يراها الفكر نفسه، فاللّغة العربيّة ليست محض أصوات وحروف وإن كانت كذلك في صورتها الخارجية، وليست محض وسيلة للتّعبير، وإنّما هي مع ذلك كلّه وقبل ذلك كلّه وسيلة للتّفكير، أو هي الفكرُ نفسه، لأنّه لا يمكن فصل الدّال عن المدلول فيصبح حينئذ الأول أجوف فارغًا بلا معنى، ويصبح الثاني معلقاً في الفراغ، غير قابل للتعبير عنه. إذ هما أشبه شيء بالجسد والروح. أليس من مألوف تعبيراتنا أن نقول: "إنني أفكر بصوت عال". والحقيقة إنّ كلّ كلام بصوت عال هو تفكير، وكذلك كل تفكير ونحن صامتون إنما هو نوع من الكلام غير المسموع أو المنطوق.

   وإذا كانت اللغة العربيّة –في رأيه-تحتلّ هذه المنزلة، وكانت حاملة الفكر والمشاعر، فهي إذن حاضنة لكلّ ما يصدر عن هذا الفكر، وتلك المشاعر من قيم الأمّة ومُثُلها وخبراتها وتجاربها ومعارفها ومقوّماتها الرّوحيّة والماديّة، وهي من أجل ذلك وسيلة تواصل الأجيال وتماسك المجتمع، وهي ضمير الجماعة وعامل وحدة الأمة. ومن حيث هي كذلك، فهي رمز هوية الأمة وعنوان شخصيتها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليست العربية لأحدكم بأمّ ولا أب، إنّما العربية اللسان" أو كما قال. فنفى عن العروبة الانتماء العرقيّ والعصبيّة القبليّة، وجعل قوامها اللّغة والفكر والثّقافة ([19]). ويرى تأسيسًا على هذا الفهم أنّ اختلاف لغات الأمم يستدعي بالضرورة اختلاف أساليب تفكيرها وطرائق سلوكها وأنماط مواقفها. وربما استطعنا -بشيء من الحذر-أن نفسّر تقارب المواقف السياسية لبعض الدول وتحالفاتها بوحدة لغاتها أو تشابهها، وأن نفسر تباعد تلك المواقف وتصادمها بسبب اختلاف طبائع لغاتها، غير مغفلين عامل المصالح الاقتصادية لتلك الدول ([20]).   

     وفي سياق تناوله المصطلحات المتداولة في الخطاب الثّقافيّ العامّ يُعرّج على مفهوم "العولمة"، فهي في منظوره مصطلح حديث يفهمه كثير من الناس أنواعًا من الفهم ويقفون منه مواقف مختلفة: بين رافض له، ومتقبّل على مضض، ومحبّذ مرحّب. ويحسن أن نفرق بين لفظين جذرهما اللغوي واحد هما: العالمية والعولمة، أما الأولى فهي تنافس حرٌّ في فضاء رحب ليس فيه ضغط ولا إكراه. وكذلك يحسن أن تفرق بين عنصرين اختلطا في العولمة فظهرا كأنّهما من صميمها. الأول: التّقدم العلميّ والتكنولوجيّ وما نتج عنهما من مبتكرات ومخترعات وإنجازات ومن ثورة المعلومات. والثاني: محاولة فرض النظام الرأسمالي وآلياته ومفاهيمه وما يتصل به من أنظمة ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وأما الأول فهو ما أذهب إلى تسميته ب "الحضارة" وتشمل جميع عناصر الجانب المادي من الحياة مما نحتاج إليه ونستعمله في السلم وفي الحرب، في متاع البيت في الحضر وفي وسائل الاتصال والسفر ([21]). وهو ما يقع في إطار التّدليل على الهيمنة الاستعماريّة العولميّة الجديدة بمسمّاها الجديد.

   ويدلف الأسد إلى التّعريف بمصطلح "الحضارة الغربيّة" مناقشًا دلالته وأثره في توجيه الفكر، إذ يرى أنّ مدلول كلمة الحضارة التي تسمى "الغربية" ماهي إلا الحلقة الحديثة من الحضارة الإنسانية، وجميع الأمم تعيش في ظلّها منذ ثلاثة قرون وإن تفاوتت حظوظها منها، ولكنّنا لا نعرف غيرها. وعلينا جميعًا أن نأخذ بأسبابها وأصولها حتى نشارك في إنتاجها وتطويرها والتقدم بها إلى مرحلة جديدة هي مرحلة المستقبل، ولا نكتفي باستيراد نتائجها ومصنوعاتها فنظل مستهلكين لها ومستوردين. ولها مدلول ثان هو "الثقافة"؛ وهو العقائد الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وما يترتب عليها من أنظمة وتعاليم وقيم ومبادئ ومثل تنظم أنماط حياة الناس وسلوكهم وما لهم من لغة وأدب وفن وفكر([22]).

   ويعبر من مصطلحي الثّقافة والحضارة المتعاورين إلى تعبير "صراع الحضارات"؛ إذ يراه خطأَ شائعًا في الخطاب اللّغوي العربيّ المعاصر؛ لأنه لا يمكن لهذه الحضارة الوحيدة الحديثة أن تصارع حضارات تاريخية لم يعد لها وجود.إنها حضارة واحدة ولذلك لا يمكن أن تتصارع مع نفسها، لأن الصّراع يكون مع التّعدد، وأن مع هذه الحضارة ثقافات كثيرة متنوعة يمكن أن تتواصل وتتفاعل في الفضاء الثقافي الرّحب، ويمكن أن يحدث بينها الصراع إذا حاولت ثقافة أخرى أن تعتدي عليها بالوسائل الحضارية المتقدمة التي تملكها تلك الثقافة المعتدية. ويرى بناء على هذا الاستقراء أنّ وراء شيوع هذا الاستعمال الخاطئ للكلمة يكمن خطر العولمة التي يتوجس منها المتوجّسون فينادون بحماية ثقافتهم. فالعولمة الثقافيّة تختلط أحيانًا بمفهوم الأمركة الثّقافية أو الغزو الثقافيّ أو التغريب الثقافيّ. وهي كلّها مصطلحات ومفاهيم تثير في النفس التحدي والمقاومة، وتختلف عن التواصل والتفاعل الثقافي اللذين لابد منهما لكل ثقافة حية، لأنهما عنصران من عناصر نموّها وتطوّرها، بل هما أساس بقائها واستمرارها ([23]). ويرى أنّ مصطلح "حوار الحضارات" أو "حوار الثّقافات" هو الأليق والأجدر بالاستعمال؛ لأنّه "لا يتطرّق إلى موضوعات العقيدة ولا العبادات وإنّما يبحث في منظومة القيم وفي التّقاليد الاجتماعيّة، وفي حقوق الإنسان..." ([24]). ويُرجع الصّراع النّاشب بين الدّول والفرق والجماعات على امتداد التّاريخ إلى "صراع المصالح" الذي يستغلّ فيه الدّين تارة أو التّفوّق الحضاريّ تارة أخرى وأمثلته كثيرة في التّاريخين القديم والحديث على حدّ سواء ([25]).

   ويربط العلاّمة الأسد بين الثقافة واللّغة ويراهما مكوّنين متّصلتين متواصلتين، فيذهب إلى أنّ انقطاعهما عن هذا التّواصل والتفاعل سيؤدّي إلى أن تأكل اللّغة من ذاتها، وتجترّ نفسها، فتذوي وتموت. فهذه العولمة الثقافية تمثّلت- في جانبها اللغوي- في محاولة طمس الهُوية اللّغوية للأمّة العربية. فالقرآن الكريم هو كتاب العربية الأكبر، وهو بحكم قدسيّته حافظ لهذه اللغة، وحافظ لقيمها ومناهج حياتها. وأي إضعاف للّغة العربية هو إضعاف للقرآن الكريم، وأيّ إبعاد للمسلمين عن أساليب العربيّة الفصيحة الصّحيحة وعن علومها وآدابها هو إبعاد للمسلمين عن القرآن الكريم واغتراب وقطيعة عنه. وقد تسرّبت هذه العولمة الثقافيّة اللغويّة إلى دخائل نفوسنا، وأصبحنا نروّج لها ونطبّقها بأيدينا على كثير من جوانب حياتنا: واعين أو غافلين، وعن قصد وعمد وتصميم أو عن جهل، بل أخذ بعضنا يفاخر بها ظنًا منه أنها الحداثة أو أنها مظهر من مظاهر المدنيّة والدّخول في العصر. فأصبح الخطر الذي يفترسنا من أنفسنا أكبر من الخطر الذي نقول إنه يدبر لنا ويحاك من الخارج ([26]). 

  ويتحوّل إلى مدلول مصطلح النّهضة، إذ يرى أنّ تصور بعضنا للنّهضة دار في فلك استيراد "نتائج" العلوم والتكنولوجيا الحديثة وهذا أبقانا أمّة مستوردة مستهلكة والواجب أن نمتلك "أسباب" تلك العلوم والتكنولوجيا ومقدّماتها وأصولها ومناهجها (وخاصة البحث العلمي الأساسي النظري) لنتولى بأنفسنا ممارسة العلم وإنتاج تطبيقاته (التكنولوجية) وتطويرها وابتكار الجديد منها والإضافة إلى عالم المعرفة والمخترعات والمكتشفات والمشاركة الإيجابية في الحضارة الإنسانية فإن أسباب العلوم والمعرفة وأصولها ومناهجها ـ وليس استيراد نتائجها ومصنوعاتها ـ هي التي تتفاعل في عقول الأمة ونفوس أبنائها وتتكيف مع خصائصها وفكرها الديني والاجتماعي لتصبح جزءا منها تنمّيها وتطوّرها.

   ومهما نستورد من أجهزة الحواسيب، ومهما نستعمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأنظمتها فإن كلّ ذلك عندنا لن يكون من عوامل النهضة. لأنه مهارات سطحية لا تقوم على أساس التعامل العقلي ولا التعايش النفسي معها لتطويرها عندنا إذا لم نملك أسبابها وأصولها بالبحث العلمي في العلوم الاساسية أو الدقيقة كما تسمى عند بعضهم ذلك التمازج والتفاعل بين المقدمات والأسباب والنتائج هو الذي أدركه العرب والمسلمون إبان نهضتهم منذ القرن الثالث الهجري إلى القرن الثامن (القرن التاسع الميلادي الى القرن الرابع عشر) ثم أدركته أوروبا سواء في عصر النهضة الأوروبية أو في عصر التنوير([27]).

  ولكتابي العلّامة الأسد "نحن والآخر صراع وحوار" و"نحن والعصر مفاهيم ومصطلحات إسلاميّة"، قيمة علميّة خاصّة في مجال التّعريف بالمصطلحات المستوردة المتداولة في حقلنا الإعلاميّ والثّقافيّ المنطوية على مغالطات في الاستقبال والاستعمال. ولهما قيمة أخرى في تقديم رؤية تصحيحيّة استعاديّة لأصول الفكر العربيّ الإسلاميّ الرّاقية، ففي الكتابين يقدّم طرحه لرؤيته الوسطيّة في التّعامل مع الواقع الفكريّ والثّقافيّ العربيّ الرّاهن والمستجدّات المحيطة به ماتحًا ذلك من معين الفكر الحضاريّ الإسلاميّ؛ أي من مصادره الأصيلة والتّراث العريق الذي أنتجه علماؤنا الأوائل حولها. في إطار دعوته إلى الاستجابة للفهم المتجدّد لفروع الفقه وأحكامه متوائمًا مع الفهم الدّقيق للإسلام الشّرع والتّشريع والشّريعة وأصوله دون تشويهه من حيث هو دين الله الخالد. وكذلك الحال في تبيانه لقضايا الشّرعيّة الدّوليّة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان ونظام الحكم في الإسلام من حيث مدلوله وتطبيقاته ([28]).

 

   ويعدّ الأسد المفكّر العلاقة بين الفكر واللّغة العربيّة من جهة الدّلالة المصطلحيّة البوّابة التي يلج عبرها إلى بحث المصطلح المتداول في الخطاب اللّغويّ العصريّ العامّ ويراه أحد أهم أدوات الغزو الفكري، فكثيراً ما يستعمل لتغريب الفكر، والمصطلح ليس مجرد تركيب حروف، إنما هو مفهوم ومضمون ومصطلح، فإذا كانت اللّغة أداة التفكير، فإنّ المفاهيم والمعلومات هي مادته. لذلك شدّد على ضرورة اعتناء الكاتب بالمصطلح الموظّف في خطابه تعريفًا وتحديدًا، لفظًا ومفهومًا، إذ يقول ([29]): "يحسن بالكاتب أن يبدأ بفحص ألفاظه ومصطلحاته، وتحديد معانيها وتوضيحها، والتأكد من تأديتها المعنى الذي يريده، وقدرتها على الوصول إلى السامع أو القارئ، ومخاطبة مراكز الفهم لديه. وشأن الكاتب في ذلك شأن صاحب الحرفة أو المهنة الذي يبدأ بتحديد أدواته وآلاته".

   وفي السّياق ذاته يستبعد العلّامة الأسد مسمّيات استعملها مثقّفون معاصرون وأشاعها الإعلام العربيّ عنهم خطأ في بيئتنا السّياسيّة الثّقافيّة من مثل حكومة دينية (أو ثيوقراطية) تستمدّ وجودها من التّعاليم الدّينيّة بنهج جبريّ، إذ تصادر في كنفها الحرّيّات ويلغى في ظلّها حقّ الأمّة ككلّ في الاختيار وتنتهك بتسلّطها الكرامة الإنسانيّة، وهو ما ليس منصوصُا عليه في الشريعة الإسلاميّة التي تشترط الشّورى في بناء نظام الحكم واختيار الحاكم، وذلك وفقًا للخطاب الصّريح في الآيتين الكريمتين: "وشاورهم في الأمر"([30]) "وأمرهم شورى بينهم"([31]) وفي غيرهما من الآيات ذوات الدّلالة وإن لم يذكر لفظ الشّورى ذكرًا صريحًا فيها([32])، وما ورد في سنّة رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-، وأعمال صحابته-رضوان الله عليهم- وما ورد كذلك في كتاب الله وسنّة رسوله ومواقف صحابته من البيعة لوليّ الأمر، وهي بيعة كان يقوم بها الرّجال والنّساء؛ الأحرار والعبيد، بحيث يستمدّ الحاكم سلطته من الأمّة، ويكون بذلك حاكمًا بشريًّا، وليس ظلّ الله على الأرض، وتكون حكومته حكومة مدنيّة، بعيدة عن أن تكون حكومة دينيّة كهنوتيّة([33]).

   فلا يقع تعيين الحاكم في المجتمع المسلم بالجبر والإكراه مُطلقًا، إذ الاختيار للأصلح المؤهّل لتولّي مسؤوليّة الحكم مرهون في حياة المسلمين بأحكام على رأسها الشّورى والبيعة اللّتان يؤسّسهما المجتمع المسلم بأسره وينبني عليهما نظام الحكم فيه، وكلّ هذا مختلف أشدّ الاختلاف عن الديمقراطيات الأوروبية والأميركية. فالسّلطة في الإسلام إنسانيّة تحصّل شرعيتها وفق نظام قويم بنهج حرّ دون تأطير، فالمواطنون هم من يصطنعون الأطر والأساليب ويعيّنونها بما ينسجم مع روح الشّريعة السّمحة وظروف عصرهم التي يعايشونها، ويتوافق مع طبيعة حياتهم وواقعهم السّياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ والحقوقيّ، على خلاف مع تقاليد الديمقراطيات الغربيّة الشّكليّة التي تبرز ادعاءاتهم الزائفة باحترام حقوق الإنسان فتظهر تدليسهم ومخالفتهم للعدالة والقيم الإنسانيّة([34]). وقد ثبتت كذلك حقوق الإنسان فيما ورد في القرآن من آيات كرّم فيها الله بني آدم من غير أن يحصر هذا التّكريم في دين أو جمس أو لون، ومن آيات وأحاديث نبويّة ومواقف للصّحابة تحضّ على الحرّيّة الفرديّة والجماعيّة وصيانة النّفس والمال وحقّ التّعبير والحوار، إلى غير ذلك من حقوق الرّجال والنّساء([35]).

    وعبّر العلّامة الأسد عن أسفه من غياب التّطبيق الحقيقي الكامل لها في دولنا العربيّة القائمة. ولذلك نلجأ إلى مقاربة ما لدى الغرب من مبادئ معتبرة مع ما يقابلها في قيمنا الأصيلة. فكان يجب أن يكون لنا الآن موقف واضح لو أنّ المسلمين مارسوا كلّ ما تقدّم بحيث يصبح حقًّا نمط حياة ومنهج فكر. وكان يمكن أن يتأتّى لهم ذلك لو صاغوا هذه الآيات الكريمة والسُّنّة الشّريفة ومواقف الصّحابة في أنظمة ومواثيق، وجعلوا لها مؤسّسة تتطوّر مع الزّمن، وتترسّخ قواعدها، وتنمو أصولها وفروعها، حتّى نستطيع الآن أن نعيش في صرحها، بدلا من أن تظلّ نصوصًا نردّدها أو ماضيًا مجيدًا نتذكّره ([36]).

    وفي هذا السّياق لا يستسيغ العلّامة الأسد استعمال مسمّى "الأقليات" ولا يُطيقه، وهو بمعنى الجماعات العرقيّة أو الدّينيّة المغايرة للنّسيج الاجتماعيّ في وسطها الذي تعيش فيه داخل المجتمع المسلم، فهو، في منظوره، مصطلح شاذّ عن موقف الإسلام وروحه من قضيّة التّنوّع الاجتماعيّ والعرقيّ والثّقافيّ في المجتمع المسلم، والغاية منه سياسيّة استعماريّة تهدف إلى تفكيك الهويّة الاجتماعيّة والثّقافيّة والوطنيّة الواحدة في شرقنا لتتدخّل الدّول الأجنبيّة في شؤون دولنا الدّاخليّة، وذلك عير اقتطاع أجزاء من أراضي الدّولة" لتجعلها محميّات تحتمي بها الأقليّات من العدوان الماديّ الجسديّ... فهل يعني ذلك أنّ للأقليّة الدّينيّة أن تعيش كما تملي عليها مبادئ دينها وتعاليمه وأنّ للأقليّة العرقيّة الحقّ في أن تصوغ حياتها بما يتفق مع مقوّمات قوميّتها وتاريخها ؟"([37])، وكيانات الجماعات العرقيّة غير موجودة في نظام الإسلام، إذ لا فرق بين عربيّ وعجميّ فكلّهم تربطهم وحدة النّوع الإنسانيّ ووحدة الدين الرّبّانيّ على امتداد تاريخه إلى عهد نبيّنا الخاتم محمد -عليه وعلى أنبياء الله كلّهم الصّلاة والسّلام-. وحرية الاعتقاد والعقيدة ثابتة في الخطاب الدّينيّ الإسلاميّ للآخرين كما في الآيتين: "لكم دينكم ولي دين" ([38]) و "لا إكراه في الدّين" وفي غيرهما. ورفضه لكلّ من يحاول الاعتداء على عقيدة المؤمنين، ففي المجتمع الإسلامي تتعدّد الأجناس والأديان واللّغات في إطار منظّم من وحدة النّظام الإسلامي التي تسمح بالتّعدديّة والقائم على الحرّيّة والكرامة الإنسانيّة، وهو أصل من أصول نظرة الإسلام للأقليّات وفق التّسمية الغربيّة. مع عدم إقراره بفكرة النظام الغربيّ القائمة على الأكثريّة والأقليّة، فالجميع يجتمعون في جسم الأمة الإسلاميّة، في ظلّ المسؤوليّة الاجتماعيّة التي يتحمّلها جميع المواطنين فيه([39]).

   ويتناول العلّامة الأسد موضوع "الكرامة الإنسانيّة"؛ الجذور التاريخية ومخاطر التّطرف، مستندًا إلى المبدأ الرّبّانيّ كما ورد في قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً "([40])، فقد أثبت الله للإنسان حقوقه الإنسانيّة كاملة، إذ كرّم بني آدم من غير أن يحصر هذا التّكريم في دين أو جنس أو لون. وثمّة آيات أخرى وأحاديث نبويّة كثيرة تدلّ على ذلك، ومواقف الصّحابة تحضّ على الحرّيّة الفرديّة والجماعيّة وصيانة النّفس والمال وحقّ التّعبير والحوار([41])يؤكّد الأسد أنّ الدّين لا يقبل الطّائفيّة الهادمة للمجتمع، كما كان شائعًا قبل الإسلام عند الأمم الأخرى، من اضطهاد القويّ للضّعيف، واحتكار الأقوياء الدّين والإيمان وتفسيرهم لنصوصه كما شاءوا دون اعتبار لحقوق المحكومين. والحوار، في منظوره، حالة حضارية تبادلية بنّاءة، سواء مع الذات أو مع الآخر، تفضي إلى خطاب مشترك، يحتكم إلى الفكر والعقل والبناء المعرفي المستنير، الذي لا ينفي حق الآخر في الاختلاف، ويعترف بإسهامه في بناء الحضارة الإنسانيّة على قاعدة التكافؤ في الحقوق كافّة.

  ويجلّي العلّامة الأسد موضوع "الإسلام والثقافة العربية في عالم جديد"، فيظهر سمات الثقافة العربيّة الإسلاميّة مبيّنا القواسم المشتركة مع ثقافات الآخرين سواء في المنهج الذي يضبط مسيرتها أو المحتوى الذي تعبر فيه عن نفسها. فمنهج الثقافة العربية يستقي من روح الإسلام ونظرته إلى الإنسان وأنواع نشاطه الفكري والوجداني، إذ يعمل الإسلام على تكوين عقل المسلم وبناء شخصيته العلمية. وقد جاءت الكتابة ظاهرة لغوية فكرية سخرت لإطلاق العقل من أغلال الخرافات وتحريره من الأباطيل كي يتمكن من الفهم الصحيح للنصوص وتطبيقها بعيدا عن الحفظ والترداد لتسهم في نهاية الأمر في تكوين العقول وتبني الثقافة دون الاعتماد على الحواس والاحتكام إلى الدليل بعد الشك لإثبات الحقائق. وهي وسائل تضمن استمرار هذه الثقافة وما لها من سمات التسامح والحث على الاجتهاد. والإسلام دين عالمي يجمع بين علوم الدّنيا والدّين، وتميّز في كنفه عدد غبير من العلماء الذين شغلوا العالم بعلمهم فمرت الثقافة العربية عبر عصورها ازدهارًا إلى أن وصلت إلى حالة من التّخلف والانحطاط بانسلاخها عن منهجها فلازمها الظنّ بأنّها ثقافة الحفظ والرواية مقتصرة على العلوم الدينية واللغويّة والأدبيّة, لا علم ولا فلسفة فيها، وانتشر الاعتقاد بأنّها جامدة ([42]).

   ويؤكد العلّامة الأسد على أنه لا بُدَّ لكلَّ صراع من حوار يسبقه أو يلحقه، فالحوار في حقيقته مواجهة وصراع بين أفكار ومواقف, ومهما حاولنا التّغلّب على شعورنا فإن وجه المستعمر واحد يعود لنا في كل مرة بشكل جديد فيغلبنا، فبين سايكس بيكو وحرب الخليج 1991 امتداد وتجديد لكلّ الغزوات التي استشعر لهيبها أجدادنا وآباؤنا منذ سقطت الخلافة وما تلاها من تقسيم لبلادنا وإقامة الحدود والحواجز فيها، فكلّها معركة واحدة تظل تعقبها معارك مستمرّة وممتدّة. حيث كانت بلادنا دائما مسرحا لحروب متعددة وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيظلّ وطننا العربي ميدان هذه المعارك غالبة ومغلوبة. فالسلام هو دورات زمنية بين معارك وحروب، وهو أمر ضروري لاستئناف تلك المعارك. إذ من خلال هذه الدورات السّلمية تنشأ أجيال وقيادات جديدة معبأة نفسيا لمواصلة القتال بعد أن نسيت أهوال المعارك السابقة ([43]).

   ويرى العلّامة الأسد أنّ أهم أسباب تواصل الحروب بين العرب والفرنجة، وخاصّة في حالة العرب مع الفرنجة في العصور الحديثة، هو أنّ الغالب القويّ يرى المغلوب الضعيف غنيمة كاملة له، اكتسبها بحكم ما حقق عليه من نصر، فالغالب يفرض على المغلوب شروطا تسلبه كثيرا من حقوقه الإنسانية والقوميّة وتسلبه مقوّمات شخصيته الثّقافيّة، وتفرض عليه تقسيماته التي تسعى إلى أن تجعل من الأمة الواحدة أمما والوطن الواحد أوطانا، يقيم في كلّ جزء أنظمة وتقاليد ومؤسّسات تفصله عن الأجزاء الأخرى، وتعزله عن تراثه وحضارته. ومع مرور الزّمن ينشأ في كلّ جزء حكّام وأفراد من المنتفعين بهذه التّجزئة يصبحون مع غيرهم من المدافعين عنها، بعد أن كانوا من أشدّ الثّائرين عليها-دون أن يعلموا بالتّناقض الذي يقعون فيه بين مبادئهم وواقعهم ([44]).

   ويناقش العلّامة الأسد موضوعة "الديمقراطية وحقوق الإنسان بين العالمية والخصوصيّة" بعين الخبير المطّلع على خفاياها، فلكلّ حقبة قضيّة تشغل النّاس وتستحوذ على الرأي العامّ، وتصاغ في عبارة موجزة تصبح شعارا لتلك الحقبة. فقد انشغل العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر في قضية الإصلاح الإداري في الدولة العثمانية، ثم انتقل إلى اللاّمركزية أو قضية الحكم الذاتي، ثم انشغل بالاستعمار وتقسيم البلاد، ثم كانت قضية الاستقلال والوحدة والتجزئة والاشتراكية والعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا، فلم نعد ندري ما هي قضية الحقبة التالية. لقد بقيت الديمقراطية بمضامينها مطمح الإنسان في مختلف العصور، وهي اليوم مطلب ملح في ظل النظام الدولي الجديد مقرونة بحقوق الإنسان، ويرى الأسد أن "مواقف الدول الكبرى ليست مبدئية بل مواقف انتقائية تتغير بتغير المصالح، فقد تغضّ الطّرف عن الحكم الفردي وانتهاكات حقوق الإنسان عند دول تقتضي المصالح الاقتصادية للدول الكبرى غض الطرف عنها([45]).

   ومن هذه الطروحات الاستقرائيّة النّافذة إلى أعماق مفاهيم المصطلحات المبحوثة وقضاياها يخرج الباحث بتصوّر عامّ لموقف العلّامة الأسد منها ومن فضاءات استعمالها ودلالاتها في الفكر الثّقافيّ العربيّ المعاصر، وهو المتمحور حول التّنبيه على خطورة سيرورة المصطلحات الغربيّة العولميّة الشّائعة على ألسنتنا وفي خطاباتنا الموجّهة لفكرنا الثّقافيّ والعلميّ، وهي تقود ركبنا نحو الاتّباع دون الإبداع وبثّ روح الفرقة والتّجزئة للهُويّة العربيّة الواحدة والثّقافة العربيّة الواحدة وتغليب العولمة اللّغويّة. لذلك يدعو إلى الفهم الصّحيح لدلالاتها وتوظيفاتها اللّسانيّة والخطابيّة والفصل في المفهوم والتّصوّر بين الثّقافة والحضارة، وإعادة إنتاج المصطلحات المركزيّة في الثّقافة العربيّة المعاصرة، ليقع بذلك تفكيك حالة الالتباس بين محمولاتها الغربيّة ودوالّها العربيّة من أجل التّأسيس لثقافة عربيّة نهضويّة تخرجنا من دائرة الثّبات والجمود.

 

ثانيًا: دور تداوليّة المصطلحات العولميّة في توجيه الفكر العربيّ:

   لا شكّ أنّ سيطرة التّداول اللّغويّ للمصطلحات الشّائعة في اللّسان الغربيّ على العقل العربيّ المتلقّي قد خلق إشكاليّات عديدة له بفعل كثرة استخدامها وشيوعها عبر وسائل الإعلام العربيّة الباثّة لمقولات الغربيّين، وعلى ألسنة المثقّفين والسّياسيين دون تمحيص لدلالاتها ومراميها في سياقات الخطاب المواكب لمستحدثات العصر ووقائعه الكبرى. وهذا الغزو الثّقافيّ مَثَّل إشكاليّات كبرى على مختلف الصّعد، في واقعنا المأزوم أصلا، في عصر غدا العالم فيه قرية صغيرة بفعل التّطوّر التّقني والانفجار المعرفيّ الهائل وانفتاح العالم على الثّقافات المختلفة بتأثير من وسائل الإعلام المتطوّرة ونوافذه الواسعة ذوات الاستقطاب والتّأثير العاليين بفعل العولمة، لتطال الهويّة العربيّة بمستوياتها المختلفة.

  وبما أنّ الصّلة وطيدة بين المصطلحات المتداولة على اللّسان العربيّ المعاصر والفكر والهويّة واللّغة، فهي المعبّرة عنها، يطرح العلّامة الأسد موقفه من موضوع الهويّة والثّقافة العربيّة، فهو يراه موضوعًا جدليًّا وموضوعًا خلافيًّا كثر فيه الخلاف والجدل وتشعبا حتى مسّا وجود هذين الطرفين، حتّى وصل الأمر ببعضهم إلى أن يتساءل بل إلى أن ينكر هل هنالك هوية فعلاً للأمم؟ هل هنالك حقيقة ثقافة للأمم؟ أو الثقافة فردية لأفراد في الأمة والهوية فردية لأفراد في الأمة. لذلك تعريف الثقافة وتعريف الحضارة متاهة للجميع. ويطرح الأسئلة: هل الثقافة هي الحضارة ؟ هل هما مترادفان؟ وهل في اللّغة عامة مترادفات؟ ثم هنالك مصطلح آخر ثالث وهو المدنيّة، أين نضع المدنيّة من الحضارة، هل هي الحضارة؟ أو هي شيء ثالث يختلف عن الحضارة ؟ "فهمي الشّخصيّ أنّ المدنيّة خارج نطاق حديثنا الآن". ويرى أنّ الثقافة تختلط كثيراً بالحضارة، وموضوع صراع الحضارات (كتاب هنقتنقتون) حاضر في الأذهان، والجَلَبَة التي أُثيرت حول هذا الموضوع، هل الحضارات تتصارع؟ وهل صيغة الجمع هي الصيغة الصحيحة؟ هل عندنا في عالمنا حضارات؟ أو هي حضارة واحدة؟ فإذا كانت حضارة واحدة، كيف يمكن أن تتصارع هذه الحضارة؟ وإذا كان المقصود من صراع الحضارات صراع حضارة قائمة مع حضارات تاريخية انتهت ولا وجود لها، فهذا من أعجب العجب، كيف تتصارع حضارات لا وجود لها في الوقت الحاضر مع حضارة قائمة في الوقت الحاضر؟ ([46]).

   ويقارب العلّامة الأسد الإجابة للمتلقّين مستدعيًا شواهدها التّاريخية، فمنذ قرنين أو ثلاثة قرون، حينما أرادت اليابان أن تنهض اتّجهت نحو هذه الحضارة القائمة وهي حلقة جديدة من حلقات الحضارة الإنسانية، تسلّم زمامها الآن الغرب منذ قرنين أو ثلاثة، كانت أزّمَتُها في السابق يتسلمها كثير من الشعوب الأخرى، عندنا حضارة آشورية، بابلية، عندنا حضارة مصرية قديمة، حضارة إغريقية، حضارة رومانية، حضارة فارسية ثم جاءت حلقة الحضارة الإسلامية، ثم بدأت النهضة الأوروبية ومالت كِفة الحضارات الآن أو حلقات الحضارة نحو الغرب وبرزت هذه الحلقة بوضوح منذ قرنين أو ثلاثة، فاليابان حينما أرادت أن تنهض اتجهت إلى الغرب، قياصرة الروس حينما أرادوا أن ينهضوا ببلادهم اتجهوا إلى الغرب، وكذلك محمد علي في مصر حينما أراد أن يُحدّث مصر اتجه إلى الغرب، فكانت إذن حضارة واحدة قائمة موجودة. ولكي نُظهر زيف شعار صراع الحضارات، إذن ما الذي يتصارع؟ إذا كانت الحضارات واحدة ذات حلقات تاريخية متتابعة، والحلقة القائمة الآن هي حلقة واحدة، حضارة واحدة، كلنا نتطلع إليها ونرنو إليها فما معنى حضارة؟ ولماذا نتطلع إليها؟ ثم إذا كانت لا تتصارع ما الذي يتصارع، كل هذه أسئلة مطروحة مفتوحة لا يدّعي أنّه يستطيع أن يجيب عنها([47]).

  وينحو العلّامة الأسد في الإجابة عن هذه الأسئلة منحى النّاقد المحلّل للفكر النّاظم لها، فربما كانت الحضارة الجانب المادي من الحياة الإنسانية الذي يقوم على ما في هذه الحياة من اكتشافات واختراعات وإنجازات تطبيقية علمية، قربت المسافات وصغّرت ما بين العالم، قربّت ما بين العالم، واختصرت الزمان واختصرت المكان، هذه الأجهزة والآلات والوسائل التي نستعملها جميعاً في حياتنا في بيوتنا وفي شوارعنا وفي ترحالنا وفي اتصالاتنا وفي سفرنا وفي إقامتنا، كل ما اخترع على وجه الأرض وعلى البحر وفي الفضاء هذا كله حضارة، هذا هو الجانب المادي من الحضارة، ونحن نريد أن نأخذ هذه الحضارة، نريد أن نعيش بها وفيها ومعها، ولكننا نتطلع إلى أكثر من أخذها، نريد أن نكون عاملين فعّالين مشاركين فيها، حتى الآن نحن نستوردها ونستهلكها فهل آن الأوان إلى أن نكتشف كل هذه العمارات الضخمة وكل هذه السيارات الفخمة وكلّ هذا الترف المادي الذي نعيش فيه ليس من حضارتنا، وإنما هو من تلك الحضارة التي سميتها أو وصفتها.

  ويتساءل الأسد: هل آن الأوان أن نوطّن أصول الحضارة ؟ وأصول الحضارة هي البحث العلمي وهل آن الأوان أن نوطّن البحث العلمي، الذي هو أصول الحضارة في بلادنا وأن نسوقه إلى الإمام، حتى ينتج لنا حضارة قد تكون تطويرًا للحضارة القائمة؟ وقد تكون إضافة لأشياء ليست فيها، وبذلك هل آن الأوان أن نكون مشاركين فعّالين؟ وكاد أن يقول هل آن الأوان أن نتسلم نحن مرة أخرى زمام حلقة جديدة من حلقات هذه الحضارة كما تسلمنا زمام الحلقة مدة قرون تزيد على ستة أو سبعة قرون؟ هذا هو فهمه للحضارة([48]). وأما الثقافة، فهي الجانب المعنويّ أو الروحيّ، والحضارة هي الجانب الماديّ. إذن فالثقافة هي الجانب الروحي أو الجانب المعنوي، هي أولاً ثقافة الأمة هي أولا عقيدتها الدينية التي تزودها بكثير من القيم والمفاهيم وأنماط الحياة وأنماط السلوك في عقيدتها الدينية، وليس بالضرورة أن تكون عقيدة دينية سماوية، فالوثنيون والمجوس وعُبّاد البقر كلّ هؤلاء لهم عقيدة ولهم عقيدة دينية يستمدون منها قيمهم ويستمدون منها مفاهيمهم ويستمدون منها أنماط حياتهم، وفينا نحن وفي غيرنا من لا يؤمن بدين ولا يؤمن بعقيدة، هذه عقيدة أيضا يستمد منها مفاهيمه ويستمد منها سلوكه ويستمد منها أنماط حياته هذا الذي قصدته بالعقيدة الدينية. لكننا ما دمنا نتحدث عن العرب عن الثقافة العربية، فعقيدتنا الدينية هي الإسلام، والإسلام هنا من ناحية ثقافية ليشترك غير المسلم مع المسلم في الجانب الثقافي من الإسلام، فقال فارس الخوري في سوريا وهي قوْلة تُنسب أحيانا إلى مكرم عبيد في مصر قال: أنا مسيحي ديناً ولكنني مسلم ثقافة([49]).

   ويدلف العلّامة الأسد إلى الحديث عن أصول الثقافة العربيّة الإسلاميّة ويراها متمثّلة في العقيدة الدينيّة التي لا شك في أنّها هي المزوّد الرئيس للإنسان في حياته، حتى ولو كان ليس له دين لأنّ هذا وحده دين، عدم وجود الدين دين عنده يستمد منه مفاهيمه، غير المتدين يستمد دينه من عدم تدينه، ومفاهيمه وسلوكه وما يشبه ذلك. واللّغة، فاللّغة ليست وسيلة للتّعبير، كما يذهب كثيرون، وإنّما هي أكثر من وسيلة للتعبير، قيل هي وسيلة للتفكير، إذن هي وسيلة للتعبير وهي وسيلة للتفكير، ما معنى وسيلة للتفكير، هل نستطيع أن نفكر في شيء ليست له لغة، ليس له لفظ، ليس له اسم، حتى الغيبيات الدينية وحتى الخرافات والأساطير، كيف أصبحنا نتصورها وكيف أصبح يرسمها الرسامون من ملائكة وشياطين والجنة والنار كيف أصبحوا يرسمونها، يتمثّلونها، يتصورونها، إلا بعد أن أخذت الجنّة عندنا لفظة جنّة، وعند غيرنا اللفظة الموجودة في لغاتهم، فهم إذن يعرفونها من خلال اللغة، من خلال اللفظ، ولا نستطيع البتة أن نفكر في شيء أو أن نتصوره أو أن نتمثّله إلا إذا كانت لغة، أي كان له اسم، أي كان له لفظ لغوي يدل عليه يوحي لنا بصورته، فإذن النحّاتون الذين نحتوا الشيطان، نحتوا آلهة الإغريق أو رسموا على القباب في العصور الوسطى، صور الملائكة، هؤلاء جميعاً رسموا اللغة، رسموا اللفظ، الذي يدل على هؤلاء جميعًا، فإذا كنّا لا نستطيع أن نفكّر في شيء إلا من خلال اللغة إذن لا بد أن تكون اللغة هي وسيلة التفكير([50]).     

   ويستدرك متسائلا: لكن هل حقيقة هي وسيلة تفكير؟ أليس هذا انتقاصًا من شأنها؟ اللغة هي الفكر نفسه، وأنت لا تستطيع أن تفصل بين الفكر وبين اللغة، لا يمكن الفصل بينهما، كم من مرة سُئلنا من طلبتنا وزملائنا وإخوتنا أيهما يسبق في هذه الحالة الفكر أو اللغة، الكلمة، هذا سؤال لم يصل حتى الآن علماء اللغة ولا علماء النفس إلى الإجابة القاطعة عليه، أيّهما الذي يسبق الآخر؟ لكن الذي وصلوا إليه إنّنا لا نستطيع أن نفصل بين اللغة وبين الفكر، فهما متمازجان كالجسد والروح. واللغة بذلك هي فكر الأمة وهي أساس أولي من أسس الثقافة، إذا لم يكن الفكر هو الثقافة أو عنصرا أساسيا من عناصرها. والآداب، من شعر ومن نثر ومن حِكَم ومن أمثال وهي التي دائماً نستشهد بها ونستمد منها كثيرا من مفاهيمنا وكثيرا من قيمنا. فمن الشعر ومن النثر ومن الحكم ومن الأمثال نستمد كثيراً من قيمنا، التي تصوغ لنا اتجاهاتنا، هذه القيم التي تصوغ لنا اتجاهاتنا وتصوغ لنا سلوكنا([51]).

    ويخلص من حديثه هذا إلى أنّ الثقافة هي مجموع هذا التّراث وقبله الدّين، الدّين ليس من التّراث، التّراث هو من صنع البشر ولكنّ الدّين عندنا إلهيّ ليس من التّراث، إنّما تفسيره من التّراث، تفسير جهد المفسرين من التّراث. فالثقافة إذن هي الجانب المعنوي وهي الجانب الروحي، الذي يتصارع مع الثقافات الأخرى لأنّ الجهات المُستقوية علينا وعلى غيرنا ترى أنّ ثقافتها هي خير الثقافات وأنّها من أجل أن يسود السلام العالم، لا بدّ أن تسود ثقافتها العالم أيضا، كما أنها ترى أنه لا بد أن يسود نظامها الاقتصادي العالم؛ لأنه خير نظام اقتصادي في العالم، هذا رأيهم وهذه وجهة نظرهم.

   ويرى أنّ للثقافة والحضارة ثوابت، وفيهما متغيرات، بل الدّين نفسه فيه ثوابت وله متغيرات، كيف؟ الدين أصول وفروع، الفقه هو علم الفروع، أما العقائد والعبادات فهي أصول، نأتي إلى الفقه الذي هو علم الفروع، تذكرون مثلاً مشهورًا وعندنا أمثلة كبيرة بطبيعة الحال، هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الإمام الشافعي، كان له فقه في الحجاز وفي العراق، ثم حين ذهب إلى مصر واتصل هناك بفقهاء مصر وبسماحة أهل مصر، وبفقيه مصر الأكبر الليث، طوّر بعض فقهه، وأصبح له فقه جديد في مصر، ورأى أشياء لم يكن قد رآها في الحجاز ولا في بغداد، ولذلك لا بد أن يطور فقهه، فأصبح له فقهان، من أجل هذا يشار دائماً في كتب الفقه حينما يذكر الشافعي إن هذا في فقهه القديم، وهذا في فقهه الجديد، فإذا كان الفقه له أيضا متغيرات فمن الطبيعي أن يكون للثقافة وأن يكون للحضارة متغيرات.

   ويضرب مثلا آخر من أمثلة التّغيير في الأمور الدينية، أي في الفقه، في علم الفروع، أي في الفقه، وليس في الأصول الثوابت، وهو ما يقوله عادة الفقهاء لا يُنْكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وأضيف وبتغير الأماكن أيضاً، والشافعي دليل على ذلك، لأن مكانه تغير، فتغير فقهه، بتغير مكانه، أما تغير الأحكام التي هي الفتاوى، فهي تتغير بما يلائم العصر على أن لا تخرج عن ثوابت الأصول، أرجو أن نلحظ هذا دائماً على أن لا تخرج عن ثوابت الأصول، لأنها إذا خرجت عن ثوابت الأصول ضاعت في الفضاء ضاعت في الفراغ، كل أمر لا بد أن ينطلق من أصول ثابتة، ثم بعد ذلك ينمو، يتطور، يتغير، لكن لا بد أن ينطلق من أصول ثابتة والاّ ضاع في الفراغ ضاع في الفضاء([52]).

   وتأسيسًا على هذا الفهم، فالثّقافة في منظوره لها أصولها الثابتة التي لا تكون ثقافة الأمّة إلا بها، ولها متغيرات تحتاج إليها من أجل أن تواكب تطور العصر، وتلاحق الأحداث، ينتج عن الأصول التي ذكرتها في الثقافة وهي عقيدتنا الدينية - أي إسلامنا - وهي لغتنا وهي آدابنا، وهي سائر نتاجنا الفكري والوجداني، موروثنا الثقافي ينتج عنه إننا استمددنا من كل ذلك، العادات والتقاليد وأنماط الحياة وأنماط السلوك وما يشبه ذلك، هذه ليست من أصول الثقافة هذه من مكتسبات أصول الثقافة، لكن هذه الأصول هي التي زودتنا بالعادات، واكتسبناها منها بالعادات والتقاليد وما يشبه ذلك، وأنماط الحياة والسلوك. هذا المكتسب هو من المتغيرات، يعني أزياءُ الناس تغيرت كثيراً، كنّا نلبس إلى عهد قريب الثوب ونسير فيه، يسمى في مصر- الجلابية- ويسمى أسماء كثيرة مثل الدشداشة أو غيره، ثم بعد ذلك تطور الأمر، فأصبحنا نلبس هذه الملابس الأجنبية، هذه الملابس هي من أنماط المعيشة والحياة كنا نجلس على الأرض ثم أصبحنا نجلس على الطبلية ونأكل، ثم أصبحنا نجلس على الكراسي وأمامنا الموائد ونأكل. ويطرح السّؤالين: هل التّغيّر في هذه المكتسبات جعلنا غير عرب ؟ هل تُغير هذه الأمور هُويتنا؟([53])

  وفي الإجابة عنهما يرى أنّهما لم يغيرا هذه الهوية، إذن هذه العادات والتقاليد وأنماط الحياة وأنماط المعيشة كثير منها يتغير وتبقى الهوية ثابتة، من هنا يرى أنّ لها ثوابت ولها متغيرات، وكذلك الحضارة لها ثوابت ولها متغيرات، فصل الحضارة عن الثقافة مهم لنا نحن، لأننا إذا قاومنا طغيان ثقافة غيرنا على ثقافتنا ومحاولتهم أن يمحوا ثقافتنا، يطمسوها وجعلنا الثقافة والحضارة شيئًا واحدًا إذن، سنقاوم الحضارة نفسها، ولن نأخذ بأسبابها، لكن إذا قلنا إننا نقاوم ثقافة وافدة تريد أن تغزونا ولكننا نتمسك بالحلقة الحديثة من الحضارة لأننا أسهمنا فيها في مرحلة تاريخية، ولذلك نحن نأخذها دون تردد ودون شعور ضدها إطلاقا، نحن من أصحابها كما أن من أصحابها الذين كانت لهم حضارات صبت عناصرها في هذه الحلقة الجديدة الحديثة المعاصرة من الحضارة الإنسانية الواحدة([54]).

  ويتناول العلّامة الأسد مواقف الغرب من المسلمين، ومنها صورة المسلمين في وسائل الإعلام الغربيّة التي تصوّرهم بمظهر المتخلفين ليتعدى ذلك إلى الازدراء والتنقيص من الإسلام نفسه، إذ إنّ العرب عندهم هم المسلمين متناسين أن هناك وجودًا مسيحيًّا بين العرب، فهل العرب والمسلمون على جانب والغرب على الجانب الآخر؟ هنا، لا بد من التفريق بين الأفكار والمواقف وبين التّعاون وتبادل العلاقات, إذ يجب الكفّ عن الوقوف موقف المشاهد في أجواء عدم الثقة، ولكي يتم التواصل يجب أن يحتفظ كلّ فريق بصفاته ويقبله الآخر على حاله وإلا انتفى معنى التواصل.

   ويتحدّث العلاّمة الأسد عن مسمّى "الشّرعيّة" وهي المسمّاة بالشّرعيّة الدّوليّة، ويراها سائرة في ركاب "القوّة" و"المصلحة"، وأنّه لا علاقة لها بـ"الحقّ" و"العدل" ولا بــ "الشّرع" من حيث هو "وضوح" و"ظهور" و"قرب" : بل إنّ "الشّرعيّة" قد تتقمّص "الحقّ" و"العدل" وترتدي مسوح "الوضوح" و "الظّهور" لتتنكّر فيها وتخفي صورتها الحقيقيّة القائمة على "القوّة" ولو كانت غاشمة، وعلى المصلحة ولو كان فيها إهدار لمصالح الآخرين([55]).ويتّصل بها سياسة الكيل بمكيالين، وموضوع الأمم المتّحدة والمسألة الفلسطينيّة التي تراوح مكانها منذ عقود خير دليل على ذلك، فهي مدار خلاف طويل في الفهم والتّفسير والتّطبيق([56])

   ويأتي الحديث عن العرب وعلاقتهم بالاتحاد الأوروبي عند العلاّمة الأسد في خضمّ هذا الجوّ المضطرب، في العادة، في الوطن العربيّ كما يحبّ تسميته رافضًا إطلاق مسمّى الشّرق الأوسط عليه. وفي عقابيل علاقات الماضي والحاضر بين شرقنا والغرب ينشأ السّؤال؛ كيف نستطيع إقامة علاقات ثقافيّة بين الاتحاد الأوروبي والبلاد الإسلاميّة والعرب؟  ويقترح الأسد تخطّي الخلافات القائمة معه، فلا بدّ لنا هنا من توحيد المواقف وإن كنا دولا عديدة كي نستطيع أن نكون فاعلين مؤثرين وأن لا نكون متلقين متأثرين فقط، وأن نُكوِّن شراكة ثقافية اجتماعية وإنسانية في كيان واحد هو الشّراكة الأوروبيّة المتوسطية، خصوصًا في ظلّ ما تثيره العولمة من أسئلة بوصفها ظاهرة. فهل يمكن فصل العولمة عن الهوية القومية والدينية للشعوب؟ وهل تتناقض هذه العولمة مع الديمقراطية والتعددية والتنوع الحضاري؟ وهل ستنتهي العولمة حقا بالتفاهم والسلام بين الشعوب؟ فالعولمة مصطلح يشبه الحداثة والخصخصة والنظام العالمي الجديد، فكلها مصطلحات يذهب النقاد والباحثون مذاهب شتّى في فهمها وتعريفها وتفسيرها، فالعولمة عند العلامة الأسد كالحداثة سمة من سمات العصر الوقوف في وجهها أو تجنبها والعزلة عنها. ونحن نميل إلى أنّ العولمة كالحداثة، إنّما هي ظاهرة العصر وسمته، وأن الوقوف في وجهها ومحاولة تجنبها أو العزلة عنها إنما هو خروج على العصر وتخلف وراءه. وعلينا أن نسارع إلى دراسة عناصر هذه العولمة وفهم مكوناتها، والتنبه لاتجاهاتها. ثم علينا أن نتعامل معها من موقع الثقة بالنفس والإدراك العميق لخصائص ثقافتنا واستخراج كوامنها الأصيلة وجوهرها الحقيقية، وتعريضها للتفاعل مع تلك الثقافة العالمية الوافدة، آخذاً وعطاء([57]).

  لقد أدرك العلّامة الأسد ببصره الثّاقب الأخطار المحدقة بهويّتنا الثّقافية ووحدتها في ظلّ العولمة وما تحياه الأمة اليوم تحت وطأة المأساة الرّاهنة التي تعيشها دول عربيّة انهارت أنظمتها بفعل الثّورات الشّعبيّة التي تحوّلت إلى حروب أهليّة في بعضها، من مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا. وإن كان في بداياتها مستبشرًا بتحولاتها الإيجابيّة. لذلك يرى أنّ المحافظة على وحدة الهويّة ووحدة الأمّة مسؤولية المثقفين أولا، ومسؤولية الثقافة العربيّة الغنيّة بمذخورها العظيم، وعناصرها الرّاسخة، من لغة وآداب وقيم ومبادئ ومعتقدات ثانيًا، وبما تمتلك من مقومات البقاء والقوة والقدرة على بناء تحصينات منيعة تقيها الانهيار أخيرًا. وهو مستبشر بذلك رغم واقع الضّعف والانكسار الذي تمرّ به أمّتنا.

 

 

ثالثًا: مستقبل الهويّة الثّقافيّة العربيّة:

   لم يكن واقع الحال العربيّ سارًّا للعلّامة الأسد، لذلك آمن بأنّ الأمّة العربيّة بدولها العديدة تمتلك مقوّمات وحدتها ونهضتها وإعادة بناء شخصيّتها العربيّة بما تتمتّع به من إرث حضاريّ عريق، وذلك عبر -البدء قبل أيّ أمر آخر- بتنظيم البيت العربيّ من داخله، وجمع كلمة أهله وتوحيد صفوفهم. وتحقيق التّضامن بين الأقطار العربيّة كلّها، والعمل على صياغة مشروع نهضويّ عربيّ متكامل، ندخل به في الخطاب الإنسانيّ العالميّ ونتفاعل معه ويكون مستمدًّا من حقيقة أمّتنا ومواكبًا لروح العصر وتطلّعات المستقبل([58]). وكذلك عبر الاهتمام بالتّكوين التّعليميّ بمختلف مستوياته، وخاصّة التّعليم العالي، إعدادًا وتخطيطًا وإدارة، وعبر اضطلاع أهل العلم والثّقافة والاختصاص والخبرة بذلك مستعينين بالاستراتيجيّات الآتية([59]):

 أولا: الإيمان بالرّسالة العلميّة الإنسانيّة وبعروبة الأمّة والدّين القويم واللّغة العربيّة لإرساء الانتماء والولاء لها وتوطين الحداثة. فلا بدّ أن يكون كلّ من يتولى أمور التعليم العالي (من الوزير ورئيس الجامعة وعميد الكلية وعضو هيئة التدريس) مؤمنا برسالته وبعروبة أمته ودينها ولغتها ليُرسي هذا التعليم على الانتماء والولاء بالإضافة إلى توطين آخر ما وصلت إليه الوسائل الحديثة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأنظمتها وهذا الربط المتوازن بين الأمرين هو الخطوة الأولى ولا يجوز الاقتصار على الشق الأخير بحجة التحديث.

ثانيا: توافر رؤية صحيحة وتصوّر واضح وممارسة عمليّة للحياة الجامعيّة والبحث العلميّ عند من يتولّى المسؤوليّة في التّعليم العالي. فلا بدّ أن يكون كلّ من يتولى أمور التّعليم العالي. وخاصة الوزير ورئيس الجامعة وعميد الكلية ـ له تصوّر واضح وممارسة عملية للحياة الجامعية والبحث العلمي وكلّ محاولة للإصلاح من تحت هذه المستويات ستكون بغير جدوى؛ لأن تلك المستويات العليا قادرة على تدمير أي إصلاح يكون دونها وعلى تثبيط عزائم العاملين فيه إذا كانت لا تؤمن به وفي رأيي إن الإصلاح ـ كل إصلاح ـ يجب أن يبدأ من أعلى المستويات وخطأ كبير أن يكون المستوى الأعلى غير صالح، ثم نبدأ بضياع الوقت والجهد في إصلاح المستويات الأدنى. وأعضاء هيئات التدريس فريق منهم صالح ولكنه مثبّط العزائم مُحبَط بل مضطهد لأن تلك المستويات العليا لا ترضى بالصلاح والتميز، وهذه الظاهرة تنطبق على مجالات متعددة من حياتنا العربية.

ثالثا: الرّؤية المستقبليّة الاستراتيجيّة للتّعليم العالي المتساوقة مع روح العصر. فبالإضافة إلى الإيمان برسالة الجامعة وعروبة الأمة ودينها ولغتها وإلى التصوّر الواضح والممارسة العملية للحياة الجامعية والبحث العلمي لا بد أن يكون لمن يتولى أمور التعليم العالي رؤية مستقبلية تمكنه من تطوير التعليم العالي من داخله تطويرا مستمرا ومتابعة أحدث المستجدات العالمية فيه، دون أن تكون هذه المتابعة تقليدًا ببّغاويًّا ودون أن تكون مجرد "ترقيع" جزئي كما هو حادث الآن عندنا.

رابعا: تعريب التّعليم الجامعيّ وتشجيع استعمال اللّغة العربيّة في الأوساط العلميّة التّعليميّة والحياتيّة. ولسنا في حاجة إلى تأكيد ما تعب المخلصون في تأكيده خلال عقود، من أنّ العلم لن يتأصل في أي بلد إلا باللغة القومية، وهذه كلّيات العلوم والطب والهندسة في جامعتنا العربية تعلم باللغة الإنجليزية في المشرق وباللغة الفرنسيّة في المغرب العربي، منذ عقود بلغت عند بعض تلك الجامعات نحو عشرة عقود بحجة أنّ اللغة العربية عاجزة عن تلبية متطلبات العلم والتطور العلمي. فماذا فعلت تلك الكليات خلال عقود من عملها؟ هل قدّمت للأمّة أو للبشرية ما يمكن أن يُعدّ إضافة إلى مسيرة العلم أو الحضارة ؟ بل على النقيض تراها تدور حول نفسها لا تكاد تفعل شيئا إلا تلك الكليات المتخصصة بالدراسات الإنسانية التي تدرس باللغة العربية، فلها بعض المشاركة والإسهام الأصليين في الموضوعات التاريخية واللغوية والأدبية وإن كانت تلك المشاركات أدنى بكثير مما هو مؤمّل منها.

خامسًا: إعادة بناء الشخصية العربية من الدّاخل والتّمسك بالخصوصيّة الثّقافيّة للأمّة مع الانفتاح على ثقافات العالم في سياق التّطوّر التكنولوجيّ السّريع في هذا العالم.

سادسًا: العناية بالبحث العلمي وتطويره.

خاتمة:

   تبيّن للباحث من كلّ ما سبق المكانة العلميّة الرّياديّة والمنزلة الفكريّة الثّقافيّة الرّفيعة للعلّامة ناصر الدّين الأسد المنتمي لهويّته الثّقافيّة العربيّة، فهو العاشق للسانه العربيّ وتراث أمّته العريق، كما بدا في مظانّه ومقابلاته ومواقفه العلميّة والثّقافيّة العروبيّة القوميّة الوحدويّة والنّهضويّة. وانجلى له دوره التّنويريّ الكبير الذي اضطلع به في صناعة الوعي بالدّخيل اللّغويّ الفكريّ الغازي للعقل العربيّ الحديث عبر وسائل العولمة. وفي الحثّ على الاهتمام بتأصيل مصطلحات اللّسان اللّغويّ العربيّ الجديدة بما ينسجم مع أصول الهويّة الحضاريّة العربيّة وفهمنا المعاصر لها. وضرورة تحصين العقل العربيّ من الزّائف الخادع تساوقًا مع حاجاته المتّصلة بمستحدثات العصر والواقع الجديد للأمّة العربيّة في ظلّ عولمة الاستعمار الجديد (الأمركة- الأسرلة)، وغياب الوحدة العربيّة واستشراء الشّرذمة في أوطاننا.

  وقد قدّم العلّامة الأسد عير طروحاته العلميّة والفكريّة المختلفة تصحيحًا لمفاهيم عديد المصطلحات المستوردة والغازية، وكشف عن مدى تغلغلها الهدّام في حياتنا الفكريّة، وذلك في سياق تقويمه للمتداول اللّغويّ خطأً على الألسن وفي وسائل الإعلام الباثّة له والمستقبلة له في بيئاتنا الثّقافيّة الاجتماعيّة العربيّة. كما بدا العلّامة الأسد مقنعًا حقّ الإقناع في الكشف عن خطورتها في توجيه الفكر وصناعة المعرفة الحديثة، مع بيان السّبل الممكنة لإعادة إنتاج دلالاتها وتوظيفاتها في خطابنا اللّغويّ المعاصر في مواجهة خطابات الغزو الثّقافيّ الغربيّ العولميّ. ودعا إلى بناء الشّخصيّة العربيّة المستمسكة بهويّتها العريقة. وكذلك حثّ مثقّفي أمّته على بناء الاستراتيجيات المناسبة لتأسيس نهضة عربيّة جديدة شاملة، مستفيدين من جهود الغرب في شتّى المجالات دون استلاب لهويّتنا الأصيلة أو تغييب لجوهرها الثّمين.

هوامش البحث:



[1])) ينظر: مقابلة مع ناصر الدّين الأسد. مجلة المستقبل العربيّ مركز دراسات الوحدة العربيّة، العدد 413 تموز يوليو 2013 ص 185 

[2])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: تحقيقات أدبيّة، عمّان، منشورات أمانة عمّان الكبرى، ط1، 2006. ص 7 (المقدّمة) وما بعدها

[3])) ينظر: جورج أنطونيوس: يقظة العرب تاريخ حركة العرب القوميّة، ترجمة ناصر الدّين الأسد وإحسان عبّاس، دار العلم للملايين، ط7 ، 1987. ص 11 (المقدّمة) نبيه فارس، ومقدمة جورج أنطونيوس ص 67

[4])) ينظر: ديفيد صمويل مرجليوث: أصول الشّعر الجاهليّ. ترجمة إبراهيم عوض. العراق، دار الفردوس، ط1، 2006. ص ص 9-30

[5])) ينظر: طه حسين: في الأدب الجاهليّ. لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر، مطبعة الفاروق، ط3، 1933. ص ص 58-92 (الجاهليّون لغتهم وأدبهم) و ص ص 113-176 (أسباب انتحال الشّعر).

[6])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة. القاهرة، دار المعارف، ط5، 1978. ص ص 402-429

[7])) ناصر الدّين الأسد: جريدة الشّرق الأوسط الدّوليّة العدد 8153، لندن، الأحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001 ص 15

[8])) ناصر الدّين الأسد: جريدة الشّرق الأوسط الدّوليّة العدد 8153، لندن، الأحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001 ص 15

[9])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة. القاهرة، دار المعارف، ط5، 1978. مقدّمة الكتاب ص ص 5-9

[10])) صلاح جرّار: جهود العلّامة الرّاحل ناصر الدّين الأسد في خدمة اللّغة العربيّة، الجمعة 21/8/2015، جريدة الدستور الأردنيّة، العدد 17360 السنة 49- الأحد 2 صفر 1437هـ الموافق 15 تشرين الثّاني 2015

[11])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد، بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م. ص ص 11-23 ينظر: مقابلة مع ناصر الدّين الأسد. مجلة المستقبل العربيّ مركز دراسات الوحدة العربيّة، العدد 413 تموز يوليو 2013 ص 191

[12])) أحمد خطّاب العمر:  ناصر الدّين الأسد وملامح الحضارة العربيّة في كتابه "مصادر الشّعر الجاهليّ" بإضمامة ناصر الدّين الأسد: قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد، بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م. ص 137وينظر ما بعدها. وينظر: مقابلة مع ناصر الدّين الأسد. مجلة المستقبل العربيّ مركز دراسات الوحدة العربيّة، العدد 413 تموز يوليو 2013 ص 185 و 187 و 191

[13])) أحمد بن محمد الضبيب: قراءة في المنهج العلميّ للدكتور ناصر الدّين الأسد. بإضمامة ناصر الدّين الأسد: قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد، بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م. ص ص 219 وينظر ما بعدها.  وينظر: حنون عبد المجيد: ناصر الدّين الأسد والمنهج التّاريخيّ. بإضمامة ناصر الدّين الأسد: قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد، بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م. ص ص 439-451.

[14])) أحمد مطلوب: الشّعر الجاهليّ بين مرجليوث وناصر الدّين الأسد. بإضمامة ناصر الدّين الأسد: قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد، بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م. ص    241 وينظر ما بعدها.

[15])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: برنامج سيرة أدبيّة. قناة دليل السّعوديّة. من الجزء 1-5 ، 2013 وينظر تجديد الفكر: الثقافة العربية والهوية والمرجعيات المستعارة. قناة يوتيوب 10/3/2011 وينظر: ناصر الدين الأسد. برنامج مسارات، قناة الجزيرة الفضائيّة. ناصر الدّين الأسد من المهد إلى المجد 2006 .

[16])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: حفل تكريم معالي الدكتور ناصر الدين الأسد. الرياض، الإثنينيّة، العدد 240 ، 14/1/ 2002 ص 1-45  وينظر: القدس العربي: ناصر الدّين الأسد مفكّر انشغل بقضايا الحياة والمجتمع. السنة الثانية والعشرون، العدد 6568 الأربعاء 21 تموز يوليو  2010  9  شعبان1431ه. ص 10

[17])) ينظر: مقابلة مع ناصر الدّين الأسد. مجلة المستقبل العربيّ مركز دراسات الوحدة العربيّة، العدد 413 تموز يوليو 2013 ص 176 و178 و 187

[18])) صلاح جرّار: جهود العلّامة الرّاحل ناصر الدّين الأسد في خدمة اللّغة العربيّة، الجمعة 21/8/2015، جريدة الدستور الأردنيّة، العدد 17360 السنة 49- الأحد 2 صفر 1437هـ الموافق 15 تشرين الثّاني 2015

[19])) ناصر الدّين الأسد: ندوة "اللغة العربيّة في ظلّ العولمة". مركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرّياض، الأحد 2 جمادى الأولى 1425 العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[20])) المرجع نفسه العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[21])) المرجع نفسه العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[22])) ناصر الدّين الأسد: ندوة "اللغة العربيّة في ظلّ العولمة". مركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرّياض، الأحد 2 جمادى الأولى 1425 العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[23])) المرجع نفسه، الأحد 2 جمادى الأولى 1425، العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[24])) ناصر الدّين الأسد: حوار الحضارات تحرير المصطلح والمنهج.  بإضمامة كتاب حوار الحضارات والمشهد الثّقافيّ العربيّ. عمّان، مؤسّسة عبد الحميد شومان ، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 2004. ص 23 وينظر ص 69

[25])) المرجع نفسه ص 27

[26])) ناصر الدّين الأسد: ندوة "اللغة العربيّة في ظلّ العولمة". الرّياض، مركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأحد 2 جمادى الأولى 1425 العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004

[27])) ناصر الدّين الأسد: جريدة الشّرق الأوسط الدّوليّة العدد 8153، لندن، الأحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001، ص 10

[28])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997. ص 51-65

[29])) المرجع نفسه ص 41 وينظر ما بعدها

[30])) سورة آل عمران: 109

[31])) سورة الشّورى : 38

[32])) سورة النّمل: 32

[33])) ناصر الدّين الأسد: نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997. ص 63 وينظر ما بعدها

[34])) ناصر الدّين الأسد: نحن والعصر، مصطلحات ومفاهيم إسلاميّة. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1998. ص 41 وينظر ما بعدها

[35])) المرجع نفسه ص 63 وينظر ما بعدها

[36])) المرجع نفسه ص 63 وينظر ما بعدها

[37])) المرجع نفسه  ص 57

[38])) سورة الكافرون: 70

[39])) ينظر: ناصر الدّين الأسد: نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997. ص 52

[40])) سورة الإسراء: 70

[41])) المرجع نفسه  ص 63 وينظر ما بعدها

[42])) ناصر الدّين الأسد: نحن والعصر، مفاهيم ومصطلحات إسلاميّة. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1998. ص 40

[43])) ناصر الدّين الأسد: نحن والعصر، مفاهيم ومصطلحات إسلاميّة. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1998.ص 30 وينظر: ناصر الدّين الأسد: حفل تكريم معالي الدكتور ناصر الدين الأسد. الرياض، الإثنينيّة، العدد 240 ، 14/1/ 2002 ص27

[44])) ناصر الدّين الأسد: نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997. ص ص 16-17

[45])) المرجع نفسه ص 54 وينظر ما بعدها

[46])) ناصر الدّين الأسد: العولمة الثقافية ليست إلا أمركة لغوية وثقافية. ندوة منتدى مؤسّسة عبد الحميد شومان، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[47])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[48])) المرجع نفسه العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[49])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[50])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[51])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[52])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[53])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[54])) المرجع نفسه، العدد رقم 17302 السنة 49 - الأربعاء، 15 أيلول 2004م.

[55])) ناصر الدّين الأسد: نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997. ص 45

[56])) ينظر: المرجع نفسه، ص ص 27-48

[57])) المرجع نفسه،  ص 51-65 وينظر: المرجع نفسه ص ص 111- 116

[58])) المرجع نفسه ص 51-65 وينظر: المرجع نفسه أيضًا ص ص 111- 116

[59])) ناصر الدّين الأسد: جريدة الشّرق الأوسط الدّوليّة العدد 8153، لندن، الأحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001، ص 15

 

 

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

الأسد، ناصر الدّين:

1-   الإثنينيّة: حفل تكريم معالي الدكتور ناصر الدين الأسد. الرياض، العدد 240، 14/1/ 2002.

2-   تحقيقات أدبيّة، عمّان، منشورات أمانة عمّان الكبرى، ط1، 2006.

3-    جريدة الشّرق الأوسط الدّوليّة العدد 8153، لندن، الأحـد 29 ذو الحجـة 1421 هـ 25 مارس 2001.

4-   حوار الحضارات تحرير المصطلح والمنهج. بإضمامة كتاب حوار الحضارات والمشهد الثّقافيّ العربيّ. عمّان،    مؤسّسة عبد الحميد شومان ، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 2004.

5-   سيرة أدبيّة. قناة دليل السّعوديّة. الأجزاء من الأوّل الخامس، 2013.

6-   العولمة الثقافية ليست إلا أمركة لغوية وثقافية. ندوة منتدى مؤسّسة عبد الحميد شومان، العدد رقم 17302 السنة 49 – الأربعاء ، 15 أيلول 2004م.

7-   القدس العربي: "مفكّر انشغل بقضايا الحياة والمجتمع". السنة الثانية والعشرون، العدد 6568 الأربعاء 21 تموز يوليو  2010 ، 9  شعبان1431ه.

8-   قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدّين الأسد. بحوث ودراسات أدبيّة. المجلّد الأول. تحرير عبد القادر الرّبّاعي. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1997م.

9-   قناة يوتيوب. تجديد الفكر: الثقافة العربية والهوية والمرجعيات المستعارة. 10/3/2011

10-                   مجلة المستقبل العربيّ مركز دراسات الوحدة العربيّة، العدد 413 تموز يوليو 2013.

11-                   مسارات، قناة الجزيرة الفضائيّة. ناصر الدّين الأسد من المهد إلى المجد 2006.

12-                   مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التّاريخيّة. القاهرة، دار المعارف، ط5، 1978.

13-                   نحن والآخر، صراع وحوار. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1997.

14-                   نحن والعصر، مفاهيم ومصطلحات إسلاميّة. بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. ط1، 1998.

15-                   ندوة "اللغة العربيّة في ظلّ العولمة". مركز الشيخ حمد الجاسر الثقافي بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرّياض، الأحد 2 جمادى الأولى 1425 العدد 13148 السنة 40 20/6/ 2004.

أنطونيوس، جورج:

16-                   يقظة العرب تاريخ حركة العرب القوميّة، ترجمة ناصر الدّين الأسد وإحسان عبّاس، دار العلم للملايين، ط7، 1987.

صلاح جرّار:

17-                   جهود العلّامة الرّاحل ناصر الدّين الأسد في خدمة اللّغة العربيّة، الجمعة 21/8/2015، جريدة الدستور الأردنيّة، العدد 17360 السنة 49- الأحد 2 صفر 1437هـ الموافق 15 تشرين الثّاني 2015.

مرجليوث، ديفيد صمويل:

18-                   أصول الشّعر الجاهليّ. ترجمة إبراهيم عوض. العراق، دار الفردوس، ط1، 2006.