الاثنين | 17/12/2018
أخبار
الرئيسية » ثقافة وتراث »   23 تشرين الثاني 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 480
قل ولا تقل ( الحلقة الثانية ) إعداد د. مؤمن البدارين

  

قل ولا تقل  "الحلقة الثانية"         إعداد: د. مؤمن البدارين

1- المُتَوَفِّي أم المُتَوَفَّى؟: أمّا الأوّل على (صيغة اسم الفاعل من غير الفعل الثُّلاثي) فهو اللّه تعالى، الّذي يَتوفَّى الأنفسَ حين موتِها. قال عزَّ شأنُه: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)[1].

وأمّا الثاني (على صيغة اسم المفعول من غير الفعل الثّلاثي): فهو الإنسانُ الّذي اِستوفَى اللّهُ عزّ وجلَّ مدَّةَ حياتِه، فلم يَبْقَ له منها شيءٌ؛ فحَلَّ أجلُه لانقضاءِ عُمْرِه.

هذا، هو الفارق بين اللّفظتين في لسان العرب، وبينهما من التّباين في الدّلالة ما علمتَ من التّباين بين الخالق والمخلوق.

 2- سَوَّغَ لاَ بَرَّرَ، وَ التَّسْوِيغُ لاَ التَّبْرِيرُ: لقد شاعَ على الألسنةِ توظيفُ هذه الكلمات (بَرَّرَ – التَّبْرِير – مُبَرِّرٌ - مُبَرَّر) بدلاً مِن (سَوَّغَ – التَّسْوِيغُ – مُسَوِّغٌ - مُسَوَّغٌ). رُغمَ أنّ هذه الألفاظ الأخيرة تُعتبرُ من صُلب كلامِ العرب؛ لما لها من الشّواهد الكثيرة نظما ونثرا.

بينما كلمة (بَرَّرَ)[2] تعتبرُ لفظةً مُحْدَثَةً كما في المعجم الوسيط (ص48 ع3)؛ ولذلك أنكرها بعضُ الأفاضل تَصريحا أو تَلميحا، لأن ما استند إليه المجيزون يعتمد على (بَرَّ حَجُّ فلانٍ)، بمعنى (قُبِلَ)؛ فأين هذا المعنى من (التَّبْرِيرُ) بمعنى (التَّسْوِيغُ)؟.نقول: لقد سَوَّغَ لِي فلانٌ هذا الأمرَ، أي حسّنه عندي وزيّنه لي حتّى أصبح سائِغا لديّ. أما التَبْرِير فلا تفيد عند القائلين بها إلاّ تحسين الأمر المرفوض والدّفاع عنه ومحاولة الإرغام على قبوله أو التّغاضي عن قبحه؟، بينما يُعطينا التّسويغ هذا وأكثر، فهو يعني تزيين القبيح، ويعني أيضا (القبول) للأمر الحسن فالشّيء السّائغُ مقبولٌ لذاته، والقبيحُ في حاجة إلى مَا يُسَوِّغُه. أمّا (بَرَّ حَجُّ فلانٍ) فلا نفهم منها إلاّ أنّه حجّ (مبرور) أي مقبول؛ فأيَّةُ عَلاقة تربطه بمعنى التّحايل على تحسين القبيح؟.

نحن نحترم مجمع لغتنا المُوَقَّر، ونحترم كلّ مَن يُدلي بدلوه في بئر النّهوض بها … ولكنّ الحقّ أحقُّ أن يُتَّبع).

3- العُضوُ الرَّئِيسُ، وَالأَعْضَاءُ الرَّئِيسَةُ: وأمّا قولُهم: العُضوُ الرَّئِيسيّ، والأعضاءُ الرَّئيسيَّة، بزيادة ياء مشدّدة آخره، فالأكثر على أنها لحن يجب صونُ اللّسان منه؛ لأنّها حَشْوٌ لا معنى لها ومنهم الصاغاني صاحب معجم العباب الزاخر، والزبيدي صاحب تاج العروس. وقد أجازها مجمع اللغة في القاهرة بشروط فقال: (يستعمل بعضُ الكتّابِ: العُضْوُ الرَّئِيسيّ، أو الشّخصيّاتُ الرَّئيسيّةُ، ويُنْكِرُ ذلك كثيرونَ. وترى اللّجنةُ تسويغ هذا الاستعمال بشرط أن يكونَ المنسوبُ إليه أمرا من شأنه أن يندرِجَ تحته أفرادٌ متعدِّدَة)[3]. ثمّ علّق العدنانيّ على قرارِ المجمع هذا بقوله: (ولستُ أدري لماذا سوّغوا هذا الاستعمال مَشروطا.

4- وَخَى يَخِي وَخْيًا وتَوَخَّى يَتَوَخَّى تَوَخِّيًا: أصلُ الوَخْيُ هو القَصْدُ، ولا يُستعملُ في اللّغة إلاّ في الخير. واستعمالُه في السوء والشرّ خروج ٌ عن أوضاعِ اللّغةِ ومناهج الكَلِم عند العرب.

قال أبو منصور الثّعالبيّ في فقه اللّغة (ص118): (التَّوَخِي طلبُ الرِّضَا والخَيْر والمَسَرَّة، ولا يُقال: تَوَخَّى شَرَّهُ)، وقال في: (ص202): (الطَّلَبُ عامٌ، والتَّوَخِّي في الخير خاصٌّ).

وفي اللّسان (15/382) قال الثّعالبيّ: (والتَّوَخِّي بمعنى التَّحَرِّي للحقِّ مأْخوذٌ مِن هذا).

وفي أحاديث سيّد الخلقِ صلّى اللّه عليه وسلّم وردتْ هذه الكلمة في كثيرٍ من صحاح مَرْوِيّاتهِ، فمنها ما جاء في: تاج العروس (10/386)، واللّسان (15/383): (وفي الحديث قال لهما: اِذهبا فَتَوَخَّيا، واِسْتَهِما. أي اِقصِدا الحقَّ فيما تَصنعانِه مِن القِسْمَة، ولْيأخُذْ كلٌّ منكما ما تُخرِجُهُ القُرْعَةُ مِن الشَّيءِ[4]).

5- رِجَالٌ بُؤْسٌ أو بُؤَسٌ أو بَائِسُونَ لا بُؤَسَاء: يجمعون (بَائِس) على (بُؤَسَاء)، والصّوابُ أن يُجمعَ على (بُؤْسٌ) زِنَةَ حُمْرٌ وخُضْرٌ أو (بَائِسُونَ) أو (بُؤَّسٌ) زِنَةَ رُتَّعٌ. تقولُ: بَئِسَ الرّجلُ بالكسر يَبْأَسُ بُؤْسًا، وبَأْسًا، وبَئِيسًا: اِفْتَقَرَ واِشْتدَّتْ حاجتُهُ فهو بَائِسٌ؛ فالبائِسُ هو مَن نزلتْ به بَلِيَّةٌ أو عُدْمٌ يُرحَمُ لِما به.

أمّا البُؤَسَاءُ فهو جمعُ بَئِيسٍ على فَعِيلٍ وهو الشُّجاعُ، تقولُ منه: بَؤُسَ الرّجلُ بالضمِّ فهو بَئِيسٌ كفَعِيل أي شُجاعٌ، وعَذَابٌ بَئِيسٌ أي شديدٌ، قال تعالى: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[5].

فانظر – يا رعاك اللّه – كم بينهما من التّباينِ في المعنى، ومع ذلك لا تكادُ تقرأُ أو تسمعُ (البُؤَساء) إلاّ على معنى: مَن اِفتقر واِشتدّتْ حاجتُه.



[1]- الزُّمَر/42.

[2]- وما اشتُقَّ منها نحو: (مُبَرِّر) و(مُبَرَّر) و(تَبْرِير).

[3]- نقلاً عن معجم الأغلاط اللّغويّة المعاصرة للعدناني (ص244).

[4]- في اللّسان: (من القسمة) بدل (من الشّيء).

[5]- الأعراف/165.