الاثنين | 15/10/2018
أخبار
الرئيسية » دراسات وأبحاث »   10 تشرين الثاني 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 550
جماليات ثقافة الحوار الديني وتقبل الآخر / د. زياد بني شمسه د. معاذ اشتيه

  

جَماليّات ثقافة الحوار الديني وتَقبُّـــل الآخر
في الفكر النّقدي عند ناصر الدّين الأسد

                                                                                                                                                                                                                                      د. زياد بني شمسه

                                                                                                                                 د. معاذ اشتيه 

أهمية الدراسة وموضوعها:

  إن البحثَ في مسيرة شخصيةِ ناصر الدين الأسد هو وقوفٌ على مسيرة تمتد لخمسة عقود من العطاء لشخصيةٍ ذاتِ بناءٍ موسوعي؛ فنحن أمام شخصيةٍ تتجاوزُ في تكوينها حدّ التخصص؛ فالأسد بدا نصيرا للشعرِ والبحثِ العلمي والدراسات اللغويةِ وتحقيق الكتبِ التراثية، وهو باحث، وناقد، ومفكر ذو رؤية ناضجة؛ انمازت كتاباتُه ومؤلفاتُه ودراساتُه بشهادةِ كثير من الدارسين والباحثين بالكثافةِ والبساطةِ والعمقْ.

  من هنا، تتحول الدعوة إلى تقديم صورة متكاملة حول شخصية الأسد إلى مَهمةٍ شاقةٍ وصعبة؛ وعليه، فقد اختار الباحثان أن يسلطا الضوءَ على الجانبِ الذي يتصلُ بشخصيةِ الأسد المفكر؛ حيث عاش حياتَه يتطلعُ فيها إلى البحث ِعن مناحي التقاربِ بين الأممِ والحضارات والعقائد، في سبيل صياغة رؤية إنسانية في سبيل توطيد جسور ثقافة الحوار الديني وتقبل الآخر.

أهداف الدراسة:

     تهدف هذه الدراسة إلى بيان دور ثقافة الحوار الديني وتقبل الآخر في بناء الحضارات وتقدّم البشرية، وتقديم قراءة تحليلية نقدية لرؤى ناصر الدين الأسد وتصوراته في هذه الثقافة من خلال كتابين؛  الأول: نحن والآخر: صراع وحوار (الأسد، 1997) والثاني: " حوار الحضارات والمشهد الثقافي العربي " الذي جمع بين دفتيه ثلاثَ عشرةَ محاضرةً لثلةٍ من المفكرين تصدّرهم الأسد في محاضرته التي تحمل عنوان " حوار الحضارات تحرير المصطلح والمنهج ". (الأسد ،2004 م).

 

وقد جاء كتابُه " نحن والآخر صراع وحوار " في مرحلة حاسمة من تاريخ البشريةِ الحديث، في وقت تلوثت فيه الأفكار، وانتشر التشدد، وساد التطرف، بسبب الفهمِ المعوجِّ للخطاب الديني، وغياب الخطابِ المعتدلِ الذي يدعو إلى وجوبِ البحثِ عن نقاطِ الالتقاء، ومناحي التقارب.

منهج الدراسة:

       تسير هذه الدراسة وفق المنهج التحليلي الذي يقوم على عمليات التفسير والنقد والاستنباط، عبر استقراء أفكار ناصر الدين الأسد في كتابيه-سابقي الذكر-فيما يخص صراع الحضارات، وتقديم تصوراته ورؤيته الخاصة في ثقافة الحوار الديني وبناء الأمم والحضارات.   

 مشكلة الدراسة وأقسامها.

تسعى هذه الدّراسة للإجابة عن التساؤلات الآتية:

         1-ما الإشارة الدلالية التي تحملها عتبة النص الأولى العنوان " نحن والآخر: صراع وحوار" في ظل التساؤل الكبير ثقافة الحوار وتقبل الآخر؟

         2-ما آلياتُ تجديد الخطاب الدّيني في ظلّ التحديات المُعاصرة؟

3-كيف تُحقق ثقافة الحوار وتـقبُّل الآخر توازنا بين المفارقات الكبرى من مثل: نحن والآخر/ صراع الحضارات وصراع المصالح/ الكينونة أو انتفاؤها: أكون أو لا أكون.

محاور الدراسة: في سبيل الإجابة عن التساؤلات البحثية السابقة ركزت الدراسة موضوعها حول تصورات تجديد الخطاب الديني في رؤى ناصر الدين الأسد في المسائل الآتية:

-  الحوار بين البحث في العقائد (الدعوة /التبشير) أم البحث في القيم الحضارية.

- حوار الحضارات يكون بين أهل الثقافات والحضارات المختلفة ولا يكون بين أهل الثقافة والحضارة الواحدة.

- حوار الحضارات يكون بين حضارتين مختلفتين، الذي يتراوح بين مسميين:                  صراع حضاري أم صراع مصالح؟

                   تصورات تجديد الخطاب الديني في رؤى ناصر الدين الأسد

مدخل = قراءة في عنوان الكتاب بوصفه عتبة النص الأولى" نحن والآخر: صراع وحوار"

   العنوان كعلامة لسانية سيمولوجية لها وظيفة إشارية ( حمداوي، السيموطيقيا والعنونة،1997)، فالعنوان  يحمل إشارة كبيرة تتضمن رسالة نجد إجابتها في النص الكبير؛  فهو تركيب عمد إليه  بأسلوب ( العطف )، الذي  يجمع بين نقيضين في الظاهر( الصراع والحوار)، ولم يقدمه –مثلا – بأسلوب التخيير( صراع أو حوار) يتضح لنا من هذه الإشارة؛ أن كل صراع يلازمه حوار يسبقه أو يتخلله أو يلحقه، وأن كل حوار في حقيقته صراع بين الأفكار والموقف.

   وكأن الأسد يريد أن يرسل رسالة أو إشارة دالّة من خلال العنوان عتبة النص الصغير مفادها ؛ أنه مادام الحوار يمكن أن يسبق الصراع أو يتخلله أو يلحقه، فلمَ لا نجعل الحوار مدخلا أساسيا وأوليًا لإقامة شؤون الحياة؟؟  

 أما عن تصورات تجديد الخطاب الديني في رؤى ناصر الدين الأسد نقدم التساؤل الآتي:

كيف سيتم تجديد الخطاب الديني في ظل الحوار الحضاري؟ 

وفي المحاولة للإجابة عن هذا التساؤل نقدمه وفق الخطاطة الآتية:

 

تجديد الخطاب الديني في رؤى الأسد بآليات:

 

 البحث في القِيم لا في العقائد

 

2-حوار الحضارات يكون بين أهل الثقافات والحضارات المختلفة

ولا يكون بين أهل الثقافة والحضارة الواحدة

3-حوار الحضارات يكون بين حضارتين مختلفتين

 ويتراوح بين مسميين: صراع حضاري أم صراع مصالح؟

       

1-الرؤية التجديدية الأولى (البحث في القِيم لا في العقائد):

 إن الحوار هو منهج أصيل في الديانات وخاصة في الخطاب المسيحي الإسلامي فيما يخص منطقتنا الإقليمية العربية، ولكن شريطة أن يبتعد الحوار عن (الدعوة) عند المسلمين وعن(التبشير) عند المسيحيين، لأننا لسنا بصدد موضوعات العقيدة ولا العبادات ولا الطقوس الدينية وكيفيتها.

إنما يجب أن يبحث الحوارُ في منظومات القيم الإنسانية، في التقاليد الاجتماعية، في حقوق الإنسان، في حقوق الطفل والمرأة، في موقف الدينين من شؤون البيئة ومتطلبات العيش الكريم، في نشر الأمن والسلم الاجتماعي هذه رسالة الحوار الكبرى للديانات.

   2- المحور التجديدي الثاني (حوار الحضارات يكون بين أهل الثقافات والحضارات المختلفة ولا يكون بين أهل الثقافة والحضارة الواحدة):

 يقرر الأسد أن الحوار الديني لا يكون بين أهل الثقافة الواحدة والحضارة الواحدة، فلا داعي للحديث عن حوار بين أتباع المذاهب الإسلامية من: شافعي وحنبلي ومالكي وشيعي (إمامية، وجعفرية وإباضية وزيدية ..)لأن دينهم واحد ومعتقدهم واحد أيضا. فإذا كان هذا حال العلماء في المدارس الدينية من الفرقة والنزاع فكيف بالعوام والجهّال، الذين يقبلون المذاهب والفرق دون تمحيص أو تحقيق؟

ويذهب الأسد بالقول: إن أتباع هذه المذاهب الإسلامية هم أهل حضارة واحدة، وثقافة واحدة، وإن كان الحوار واجبا لكنه لا يندرج ضمن حوار الحضارات وصراعها.

  كذلك شأن الحوار بين العرب (المسلمين والمسيحيين)، فهو حوار واجب، ويزيل كثيرا من الشوائب، ويوضح كثيرا من المسائل، ولكن يبقى هذا الحوار ليس من باب حوار الحضارات وصراعها؟

لأن المسلمين والمسيحيين العرب ينتمون إلى حضارة واحدة، في جو ثقافي واحد، وهنا ،يسوق ناصر الدين الأسد مقولة  تنسب إلى فارس الخوري السياسي المسيحي السوري " أنا مسيحي دينا، ولكنني عربي مسلم ثقافة).

3-حوار الحضارات يكون بين حضارتين مختلفتين، يتراوح بين مسميين: صراع حضاري أم صراع مصالح؟

 يفرق ناصر الدين الأسد بين مصطلحين في ثقافة الحوار الحضاري بين حضارتين مختلفتين؛ " صراع الحضارات " و " صراع المصالح" ويقدم تساؤلات عدة:

1-كيف نفسر الغزو الأوروبي لاستعمار آسيا وإفريقيا ومنها البلاد العربية، هل هو صراع حضارات وثقافات؟

2-كيف نفسر الحروب الأوروبية التي نشبت بين الدول الأوروبية: بين الإنجليز واسبانيا، إنجلترا وفرنسا، وبين فرنسا وألمانيا، وأمثلة كثيرة يحفل بها التاريخ؟

فالأسد يرى أن الصراعات والنزاعات التي تجري في هذا العالم هي صراعات مصالح ،وفي هذا الصراع يستغل اختلاف الحضارات والثقافات باسم التفوق الحضاري والرقي والتمدن، كما حدث باسم الاستعمار والانتداب. والحوار هنا دلالة أكيدة لتبادل المصالح والمنافع لا لصراع حضاري مشرق بناء.

 

   وهكذا، فإنّ القارئ لفكر ناصر الدين الأسد في الحوار الحضاري في المنظومة الدينية، المتجسد في الكتابين المذكورين يجد أنه أمام شخصية ذات فكرٍ نيّر، تقرأ الواقع بوعي، وتؤمن بالتعايش المبني على أسس واضحة، وتدعو إلى احترام حقوق الآخر، وتفهم حاجاته، لكنها في المقابل تدعو الآخر لتفهم حاجات الأمم التي تشاطره العيش على هذا الكوكب، فكم نحن نحتاج إلى مفكرين ينتمون إلى الأمة الإنسانية، ويدفعون باتجاه ثقافة التعايش ويعملون على نشرها، ويحرصون على نشر خطاب هادئ ينتصر لإرادة الحياة، ويدعو إلى اجتثاث أشواك الموت! .