الأحد | 17/11/2019
أخبار
الرئيسية » ثقافة وتراث »   30 أيلول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 605
مقالة ذاكرة القلم/ د. خليل عيسى

 

 

 

 القلم ذاكرة الإنسان المكتوبة، به يحفظ تاريخه ومجده وتراثه، وبفضله يحفر في تاريخ الأمم والشعوب ذاكرة لا تنمحي، وحضورًا لا يتلاشى؛ فلولاه لدَرَسَتْ آثار الأمم، وغارت مآثرها.

القلم صوت القلب يُسرُّ إليه بمكنونه، بفرحه وسعادته، وبحزنه وشقائه، وبحبه وكرهه، وبحقده وصَفْحِه، به يُسجِّل تعرُّجات حياته، وانحناءات طريقه، والتواءات مشاعره، وصعوده في مسالك الحياة وهبوطه.

القلم حكمة ومعرفة، "يشرب ظُلْمَةً ويلفظ نورًا" في رأي أبي حفص بن برد الأندلسي، وصورة العقل الحاضرة، إذ به "تُزفُّ بنات العقول إلى خُدورِ الكُتب" كما قيل، ومنطق الرجل وفِكْرُه "فعقول الرجال تحت أسنَّة أقلامها".

القلم شعر ورواية، وقصة وحكاية، وقول وعبرة، ناطق أخرس، يصوغ ما يسكبه اللبُّ، ويمليه القلب، يجعل الكتب ألسنة ناطقة، وأعينًا ملاحظة، وأسرارًا بائحة.

يبكي القلم على الورق حبات لؤلؤ فتبتسم الكتب، ولن ترى باكيًا أحسن تبسُّمًا من القلم، كما يقول جعفر بن يحيى.

القلم قوة، وسلطة، وهيمنة، فهو "أمضى من شَبَاةِ المُحارِب، وسَهمٌ يَنْفُذ المَقَاتِل، وشَفْرَةٌ تَطِيح بها المَفَاصِل" كما يراه أبو حفص. وفيه يقول، أيضًا، أبو تمَّام:

لَكَ القَلَمُ الأَعْلَى الذي بِشَبَاتِه     تُصَابُ من الأَمْرِ الكُلَى والمَفَاصِلُ

لُعَابُ الأفَاعِي القَاتِلاتِ لُعَابُهُ     وأَرْيُ الـــجَــنَى اشــــتَارَتْهُ أَيْـــدٍ عَـوَاسِلُ

لَـه رِيـقةٌ طـــلٌّ ولــــكِـنَّ وَقْــعَــــهــا      بآثَارِه في الشَّــــــــرْقِ والـــغَـــــــرْبِ وَابــــِلُ

والقلم سيد السيف، فأمور الدنيا، كما يقول أحد الحكماء، تحت شيئين: السيف والقلم، والسيف تحت القلم، يؤكد أبو تمَّام هذا المعنى بقوله:

كَذَا قَضَى اللهُ للأقلامِ مُذْ بُرِيَتْ           أنَّ السُّيوفَ لها مُذْ أُرْهِفَتْ خَدَمُ

وإذا كان المتنبي فارسًا مغوارًا، يواجه الموت حين يلاقيه، بخيله وسيفه ورمحه، فإنَّه متيقن أنَّ لا شيء يخلِّده غير القلم الذي ختم به بيت شعره المشهور الذي يقول فيه:

الخيل والليل والبيداء تعرفني             والسيف والرمح والقرطاس والقلم

لقد غاب المتنبي جسدًا، وبقي شعره نابضًا بالحياة بفعل القلم الذي خلَّده.

        وإن كان القلم سيفًا، في عُرف الشعراء والكتَّاب السابقين، فإنَّه رصاصة تقتل، وسلاح يُدمي، في لغة أهل العصر، إنَّه يد وفم، ومشرط يُعالجُ به الألم، يقول أحمد مطر:

جسَّ الطبيبُ خافقـي

وقـالَ لي:

 هلْ ها هُنـا الألَـمْ ؟

قُلتُ له: نعَـمْ

فَشـقَّ بالمِشـرَطِ جيبَ معطَفـي

وأخـرَجَ القَلَــمْ!

هَـزَّ الطّبيبُ رأسَـهُ .. ومالَ وابتَسـمْ

وَقالَ لـي :

ليسَ سـوى قَلَـمْ

فقُلتُ : لا يا سَيّـدي

هـذا يَـدٌ .. وَفَـمْ

رَصـاصــةٌ .. وَدَمْ

وَتُهمـةٌ سـافِرةٌ .. تَمشي بِلا قَـدَمْ

القلم ترجمان اللسان، وزينة البنان، ومن فضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باقٍ إلى الأبد، وما ينبسه اللسان تمحوه الأيام.

كفى القلم فخرًا، بعد كل هذا، أنَّ الله، عزَّ وجلَّ، أقسم به في مُفْتَتح سورة سماها باسمه "القلم" في قوله تعالى: "ن، والقَلَمِ ومَا يَسطُرون" [سورة القلم: آية 1] وأنَّه، جّلَّ وعلا، ربط العلم بالقلم وأضافه إلى نفسه في قوله: "اقْرأ وربُّك الأكرم، الذي عَلَّمَ بالقَلَم، عَلَّم الإنسانَ مَا لم يَعْلَم" [سورة العلق: آية 3-5] قال أبو الفتح البُستيّ:

كَفَى قَلَمَ الكُتَّابِ عِزًّا وَرِفْعَةً       مَدَى الدَّهْرِ أنَّ اللهَ أَقسمَ بِالقَلَمِ