الاثنين | 23/07/2019
أخبار
الرئيسية » ثقافة وتراث »   17 أيلول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 411
قصة قصيرة " هل زفّت عفاف " د. مؤمن البدارين

                                                                                                هل زُفّت عفاف!!!                     بقلم: د. مؤمن البدارين

 

عفاف فتاة في عمر الزهور، اكتست من خيوط الشمس لونا، ومن هدوء القمر سمتا، ومن عيون بلدتها الثرّة كرما، أكبر شقيقاتها السبع، وأطول أخواتها الثمانية، لم تكن تعرف في تعاملها مع ذويها في أسرتها الكبيرة الممتدة قول لا، حتى لو كان على حساب صحّتها أو صحبتها..كانت كالنحلة التي تتنقل بين البساتين تشتم الرحيق، وتنقل بذور الثمار والأزهار، وتنتج العسل الذي فيه الشفاء، إلا أنها لم تكن تلسع من ينال منها حياء حينا، وحرصا على إبقاء أواصر المودة حينا، واحتراما للأسنّ منها حينا آخر، وهكذا كانت حريصة على نشر المحبة والإحسان، ومساعدة الأهل والجيران، وبث البسمة بين الأتراب والأقران...

مضت الأعوام وكبرت عفاف حتى غدت أجمل بنات عائلتها بل بنات قريتها، وما زالت على العهد خفيفة الوثبة قصيرة اللسان إرادتها صلبة، وحسّها مرهف، وحنانها صادق، مما زاد في حب أهلها لها وخاصة أباها، فكانت ابنته المدلّلة، وصديقته المقربة، يبثّ إليها أسراره، ويشاركها همومه وأقداره... مرّت الأيام تطوي الأحداث طيّا، وترسم الذكريات رسما، حتى جاء ذلك اليوم الظالم في طيّاتها، الطويل في دقائقه وساعاته، الأسود في شدة مصائبه، الحنظل في مرارة أخباره، جاء ذلك اليوم بخبر بئيس على عفاف لتصبح بسببه فتاة البؤس، ومن أين يمكن أن يدور في خلدها أو يمر بطيفها بؤس كهذا؟ وهي من هي؟ وأسرتها من أسرتها؟ أما هي ففتاة أبيها المدللة، أجمل أخواتها، وأصدق أترابها، وأسرع ربات المنازل، وأحرصهنّ على بث المحبة والمودّة في أسرتها، وأما أسرتها فأكثر الأسر ثراءً، وأسمقها حسبا، وأرفعا نسبا، وهي قبلة كل محتاج، ومحجّ كل مستنصح، وملجأ كل مستغيث...كل هذه المعاني كانت حاضرة في ذهن عفاف، ولا تغيب عن بال أهل بلدتها رجالا ونساء.... فما خطب ذلك اليوم؟ لقد قالوا: "دنّست عفاف شرف العائلة"!!!!

أمر جلل، وخطب عسير، أضاع فيه الحليم حلمه، وفقد فيه الحكيم ذهنه، وقع على أبيها وقع القضاء المُحكَم، والفتل المُبرَم، فكان كالزلزال الماحق، والبركان الحارق، فماذا عسى والدها أن يفعل وقد استغلقت عليه الدوائر ودار فيها دوران الحائر؟؟؟ وشريط ملوّن من ذكريات عفاف الحبيبة الصديقة الرصينة يدور أمامه، ذكريات تعبق بالمحبة، وتُتوج بالوفاء، وتشهد بالعفة، ووراء ذاك الشريط دخان نار العار تفسد تسلسله، وتقض مضجعه، وهو بين المشهدين كمن فقد دليله في فيفاء مقفرة، يجللها سواد ليل حالك وبرد قارص... هل يصدق أذنه التي سمعت ما قاله الناس أم يصدق قلبه الذي ما عهد على عفافه إلا العفاف؟ هل سيسمح لحكمته أن تسأل ابنته؟ هل سيقوى قلبه على رؤية فلذة كبده وهي تبكي بدموع تنهمر كالمطر، وتنسكب كالدرر، وتحرق كالشرر؟ أم سيأخذ قراره المصيري كما فعله كثير من الناس فيغسل عاره بيده، ويطفئ لهيب الثأر بدمها، فيُسكت كل لسان ويُخيف كل جِنان؟؟؟؟

سيل متدّفق من هذه الأفكار وغيرها كانت تعصف في رأس أبيها، وكأنها عاصفة هوجاء هبّت على سفينة متهالكة بشراع ممزَّق تتخبّط في محيط دامس الظلام، عالي الموج، متلاطم الماء، عاصف الرياح، شديد الأمطار، وأما عفاف فما إن وصلها الخبر كالبرق الصاعق حتى طرحها الفراش ثلاث ليالٍ، فأصابتها حمى شديدة أفقدتها وعيها، وسلبتها إرادتها، وخوّرت قوتها، وكانت كلما اشتدّت عليها الحمى لم يكن يجري على لسانها إلا ما يسيطر على جنانها؛ إنه اسم أبيها الذي تحبّه حبّا يفوق كل وصف، وتجلّه إجلالا لا حدّ له، كيف لا وهي ابنته المدلّلة؛ فأمرها مطاع، وطلبها مستطاع، وشفاعتها لا تقبل الإرجاع..

وأخيرا دخل والدها حجرتها بقلب مضطرب، ونَفَس متهدّج؛ فالعيون محمرّة، والأفكار مسودّة، والأيدي ترتجف، والفرائص ترتعد، فلمّا رأته عفاف تحاملت على نفسها، وتعالت على جرحها، وتسامت على وجعها، وأبت إلا أن تستقبل والدها استقبالها المعهود؛ مقبّلة يده، لاثمة خدّه، مطوّقة عنقه، كفراشة تعلقّت بنور، ورضيع تشبّث بصدر أمه فلا يحور، ففعلت،  ومن الفراش نهضت.. وفي ذروة هذا التناغم الروحيّ والالتحام الجسديّ والعطف الأبويّ خشي والدها على نفسه أن تضعف أمام هذا الطوفان من الحب والوداد، فيتراجع عما عزم في نفسه عليه، فبادرها بطعنة خنجر كان قد أخفاه في كمّه؛ فاستفاقت عفاف من حلمها الورديّ على طعنة رأتها وخزة في جنبها، صرخت باستحياء أمام أبيها مستجيرة به من يد تدغدغها، فعاجلها بطعنة ثانية في خاصرة ابنته حبيبة الأمس، وعار اليوم -كما يظنّ- فجعلتها تلتصق بصدر أبيها أكثر، التصاقا جعله يستفيق من غيّه، وينفض غبار الإثم عن عقله، فمدّ يده عبثا لتضميد جراحها، ورفع صوته مستنجدا، وعلا نحيبه مستغيثا، ولكن الأوان قد فات، فضربات قلب عفاف بدأت تخفت، وقواها أصبحت تخور، لكنها تشبثت بصدر أبيها، ولم تتركه حتى قالت- وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة-: "قد ظلمني الناس يا أبتي، فليسامحك الله يا حبيبي!!.