الثلاثاء | 16/10/2018
أخبار
الرئيسية » دراسات وأبحاث »   13 أيلول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 659
ألق الكتابة الإبداعيّة في تجربة رضوى عاشور الرّوائيّة؛ الرّؤية والتّشكيل رواية الطّنطوريّة أنموذجًا د. ز ين العواودة

  

ألق الكتابة الإبداعيّة في تجربة رضوى عاشور الرّوائيّة؛ الرّؤية والتّشكيل

رواية الطّنطوريّة أنموذجًا

د. زين العابدين العواودة، أستاذ الأدب والنّقد المساعد، دائرة اللّغة العربيّة، جامعة بيت لحم

 ولجت الرّاحلة رضوى عاشور باب الكتابة الإبداعيّة عن علم به ووعي برسالتها الفكريّة الفنيّة التي شاءت توصيلها إلى قرّائها. وهي الأستاذة الجامعيّة النّاقدة الكاتبة القاصّة الرّوائيّة المصريّة المنتمية العاشقة لفلسطين وأهلها زوجة الشّاعر الفلسطينيّ مريد البرغوثيّ أمّ الشّاعر تميم البرغوثيّ. وقد انتهجت لنفسها مسارًا كتابيًا خاصًّا تميّزت به عن مجايليها من الكتّاب العرب، إذ مزجت فيه بين تجربتها الذّاتيّة المُعنّاة في واقعها العربيّ المعيش بكلّ تقلّباته، وثقافتها وخبراتها وحقائق التّاريخ العربيّ المدّونة والشّفويّة. وتبنّت قضايا العدالة الاجتماعيّة والتّحرّر الوطنيّ ومقاومة الاحتلال ومقاومة الغزو الفكريّ المُلغي للهُويّة الثّقافيّة العربيّة السّالب لحضورها الإيجابيّ على أرضها.

    بدأت رضوى تجربتها الكتابيّة متأخّرة ممّا يشي بمرورها بمرحلة الاستعداد المكين للكتابة، وهو ما يعني أنّها عبرت مخاضات فكريّة تجريبيّة طويلة حتّى تشكّلت لديها القناعة بقدرتها على الكتابة الإبداعيّة. تقول عن بدايتها الكتابيّة:"كتبت متأخرة لأنني اكتشفت مبكرا أني أحب الكتابة لحد الوجل والخوف من الاقتراب منها، طوال الوقت كنت أنظر لإنجازات كبار الكتاب وأقول لا يصح أن أقدم على الكتابة، وفي عام 1980م وعلى فراش النقاهة بعد أزمة صحية ممتدة أمسكت القلم وكتبت، انتبهت - وكنت في الرابعة والثلاثين من عمري - أن القبول بالنسبي أكثر حكمة من التعلق بالمطلق، وأن الوقت قد حان للتحرر من ذلك الشعور بأنّ عليّ أن آتي بما لم يأت به الأوائل". (جريدة عكاظ العدد 4952 7-1- 2015 ). هكذا إذًا بدأت رضوى كتابتها الرّوائيّة مؤمنة بانّها ستكتب بأسلوب مختلف عن سابقيها وقد حقّقت نجاحًا واضحًا في ذلك.

   وبدت رضوى منحازة إلى قضايا الإنسان العربيّ المقموع بشكل عامّ، ومنحازة إلى قضايا المرأة العربيّة على نحو خاصّ، ولكن ليس بمنظور جنوسيّ (جندريّ)، فخطابها الرّوائيّ النّسويّ معتدل وقوامه الدّفاع عن حقوق المرأة العربيّة، وهو مختلف بالضّرورة عن خطاب نوال السّعداويّ في تجربتها الرّوائيّة ككلّ، وفي روايتها "الرّواية"خاصّة، أو خطاب سحر خليفة في روايتيها "لم نعد جواري لكم" و"أصل وفصل" مثلا، أو خطاب أحلام مستغانمي في روايتيها "ذاكرة جسد" و"فوضى الحواسّ" وغيرهما، أو خطاب ليلى الأطرش في رواياتها؛ "امرأة للفصول الخمسة" و"ليلتان وظلّ امرأة" و"مرافئ الوهم" وغيرها، أو خطاب ليانة بدر في رواياتها؛ "بوصلة من أجل عبّاد الشّمس" و"عين المرآة" و" نجوم آريحا" وكذلك في مجموعاتها القصصيّة. إذ تقول رضوى في هذا الصّدد:" الخطاب النّسويّ العربيّ كالخطاب النّسويّ الأوروبيّ والأميركي، فيه اتجاهات متباينة ومتصادمة أحياناً. أقبل منها بعضها وأتوجس من بعضها الآخر. لا أضع قضية من دون قضية. لأن هذا خطر. فأن تقول إن قضية الحريات الديمقراطية ثانوية لأننا نواجه غزواً خارجياً، أمرٌ أثبت خطورته، وكذلك القول إن احترام حقوق المرأة أمر مؤجل لأنه ثانوي. وفي المقابل، يقلقني وضع خانات وأقفاص للمرأة بدعوى تحريرها، وتقريظ كتابتها بما لا تستحق لأنها امرأة، وهو الوجه الآخر لتهميش كتابتها لأنها امرأة، أو عَدّ البوح العاطفي أو العلاقة العاطفية بالرجل الموضوعَ المتوقَّعَ سلفاً من كتابة امرأة. للمرأة الكاتبة كما للرجل، أن تكتب في كل المواضيع: علاقتها بنفسها أو بالرجل أو بالوطن أو بالموت، أن تكتب نصاً فيه بوح، أو نصاً يشتبك مع قضايا الواقع السياسيّ أو القضايا الفلسفيّة للوجود. الفيصل هنا هو الإحاطة بالتجربة والتوفيق في تجسيد أبعادها."

   ويفهم من موقفها هذا أنّها ضدّ تخصيص الأدب الذي تنتجه المرأة بوصفه أدبًا نسويًّا له تقاليده المميّزة له عن أدب الرّجل وضدّ تهميشه في الوقت نفسه، وهي مع انفتاح المرأة الكاتبة على كلّ الموضوعات، فالمعوّل عليه في الكتابة النّاجحة هو الإجادة في تجسيد التّجربة الإبداعيّة. ويعكس هذا الموقف رؤيتها السّرديّة في تعاطيها مع المنظور الاجتماعيّ للمرأة العربيّة ودورها في مجتمعها ككلّ بوصفها ذات حضور قويّ ومؤثّر فيه. وقد حملت لواء الدّفاع عنها ومثّلتها بصدق في كتاباتها المختلفة (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209 1- 2015). تقول رضوى في هذا الشّأن:"حضور المرأة في القصص التي أكتبها أوضح، واعتقد أن هذا ليس قصورا، فأولا أنا أكتب عما أعرفه أكثر، وأنا أعرف عن حياة المرأة أكير مما أعرف عن حياة الرجل، ثم إنني أكثر انشغالا بهموم المرأة من موقعي كامرأة في واقعنا المعاصر تعاني مما لا حصر له من المشاكل، المرأة في مجتمعنا تعاني معاناة مزدوجة، مرة بصتها مواطنا وأخرى بصفتها امرأة"(جريدة عكاظ العدد 4952 7-1- 2015 ). ويبدو أنّ موقفها هذا نابع من نظرتها المعتدلة إلى موقع المرأة في مجتمعها ودورها المهمّ فيه.

   ولم تتّخذ رضوى من استلهام التّاريخ العربيّ في بعض نصوصها استعادة تسجيليّة له؛ من مثل؛ "ثلاثيّة غرناطة" و"الطّنطوريّة"، وإنّما اتّخذته سبيلا للمقاربة بين الحاضر والماضي بمنطق السّاردة لمأساة الواقع العربيّ المعيش الذي تتكرّر فيه المأساة ذاتها دون أن يقع استخلاص العبر لتلافي الوقوع فيها مجدّدًا. ولكن أسلوبها مختلف عن أسلوب جمال الغيطانيّ في روايته "الزّيني بركات" مثلا، ولم تنتهج نهج صنع الله إبراهيم في الكتابة كما في روايته "نجمة أغسطس". إذ تقول: "الرابط بين الزمان والمكان في نصٍّ روائيٍّ ما لا يأتي تخطيطاً أو بِنِيّة مسبقة، بمعنى أن الأمر ليس فكرة تشرع في تجسيدها، بل هو يتعلق بطريقة استقبالك للوجود من حولك وتنظيمك غير الملحوظ لتجربتك، فلا ترى الزمان إلا في مكان، ولا ترى مكاناً إلا وتشكّله عناصر واقع تاريخي بعين"(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209 1- 2015). 

  وكانت قريبة الطّرح الفكريّ في رواياتها من أهمّ الكتّاب الفلسطينيّين، بل تناصّت مع كتاباتهم وخاصّة مع كتابات غسّان كنفاني(في الطّنطوريّة مثلا). ويؤكّد هذا النّهج ما وصفت به كتابها النّقديّ الأوّل عن غسّان إذ تقول:"كتابي عن غسان كنفاني هو كتابي الأول، وقد كتبته قبل أن أُتمِّ الثلاثين. ربما كان الجانب النظري فيه ضعيفاً، لكن الجانب التطبيقي، أقصد القراءة النقدية للنصوص، لا بأس به. موضوع الكتاب روايات غسان كنفاني وقصصه. في الفصل التمهيدي انصرفت للحديث عن حياة غسان كنفاني بما فيها دوره النضالي، أما بقية الفصول فقدمت فيها قراءة لبنية نصوصه ونسيجها، ولكن القراءة لم تكن شكلانية، إذ كنت أتحرك بين داخل النص وخارجه ثم أعود إلى عناصر النص في محاولةٍ لإضاءته".

   وحين سئلت رضوى عن كتابتها للرّواية (التّاريخيّة) المضفّرة للمتخيّل السّرديّ بالوقائع التّاريخيّة القديمة والمعاصرة؛ "أيّ طريق تنتهجين في كتابة الرّواية التاريخية؟ أتكتبين سرداً وحوارات، ثم تستعينين بالوثيقة ووقائع التاريخ لتملئي الفراغات وتدعّمي السرد، أم تواظبين على القراءة والبحث أولاً في المصادر والمراجع قبل خوض غمار الكتابة، فيكون المخطط واضحاً لديك منذ البداية؟ أجابت: "أنا لا أحبذ استخدام مصطلح «الرواية التاريخية»، لما له من ارتباطات سلبية أحياناً، ولقناعتي بأن أي رواية هي تاريخية بمعنى من المعاني. وأفضّل تعبير «الرواية التي تدور أحداثها في الماضي». تحتاج الروايات التي تدور أحداثها في الماضي أن تتعرف على ذلك الماضي ومفردات ثقافته، أي عناصر حياته اليومية، وهو ما توفره الكتب والوثائق... إلخ. وهذا يتم في مرحلة التحضير للعمل. أنت لا تملأ الفراغات بالوثائق أو المعلومات، لأنك لا تنجز بحثاً أو دراسة، ولا تسعى لإثبات حجة أو التدليل على فكرة، بل تكتب عملاً روائياً. وفي إطار الرواية الواقعية، تحتاج لأن تقف على أرض معرفية صلبة، وهو ما توفره لك القراءات، وهذه القراءات لن تدخل بشكل مباشر في النص، لأن الخيال سينطلق منها ويمضي في مساره. بعبارة أخرى أنت لا تزيّن نصك أو تدعّمه بوثائق أو أحاديث عن وقائع تاريخية، بل تغدو حصيلتك المعرفية (المتراكم منها وما سعيتَ إليه من أجل هذا النص المحدّد) رافداً من روافد النّص، يصبّ في مجراه ويسهم في تشكيل بنيته ونسيجه وإيقاعاته. (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015)".

  من الواضح في هذا السّياق أنّها عالمة بأساليب تشكيل النّصّ الرّوائي المتشابك مع التّاريخ، فهي تستدعي التّاريخ في نصوصها خدمة لطرحها الفكريّ الإبداعيّ بغية مقاربته مع الواقع المعيش لقرّائها بعيدًا عن أيّ تفسير آخر، ودون أن يطغى على السّرد ويحرفه عن وجهته المستهدفة بخطابها الرّوائيّ. ويشير رأيها هذا إلى أسلوبها الرّوائيّ الذي جرت فيه على منطق الرّوائيين الغربيّين في تسبّل الكتابة بمنطق الكاتب الذي يمثّل علامة السّؤال، فهو الجريء الذي يطرح المسكوت عنه في مجتمعه ويعالجه بمبضع الجرّاح الذي يحاول استئصال المرض الذي يعانيه، ليقدّم طرحًا يساعد على إبراء الجسد المريض منه. هكذا بدت رضوى عاشور في مسيرتها الكتابيّة كلّها في روايتها؛ «حَجَر دافئ» (1985)؛ و«خديجة وسوسن» (1987)؛ و«سراج» (1992)؛ و«غرناطة» (الجزء الأول من ثلاثية روائية، 1994) ونالت عنها جائزة معرض القاهرة للكتاب لأحسن رواية (1994)؛ و«مريمة والرحيل» (الجزءان الثاني والثالث، 1995). ونالت عن «الثلاثية» الجائزة الأولى للمعرض الأول لكتاب المرأة العربية في القاهرة (1995). نشرت الطبعة الثانية بعنوان «ثلاثية غرناطة» العام 1998، وصدرت الطبعة الثالثة عام 2001، كما صدرت طبعة خاصة في سلسلة مكتبة الأسرة بالقاهرة (2003).و«أطياف»(1999)، و«قطعة من أوروبا» (2003) و«الطّنطورية» (2010). وكذلك أسلوبها في نصوصها القصصيّة؛ «رأيت النّخل» (1987)، «الرحلة: أيام طالبة مصرية في أميركا» (1983)، و«تقارير السيدة راء» (2001). وفي حقل الدراسات النقدية، الصّادرة باللّغة الإنجليزيّة؛ رسالتها للدكتوراة «البحث عن نظرية للأدب؛ دراسة للكتابات النّقديّة الإفرو-أمريكية» (1975)، ورسالتها للماجستير المقدمة لجامعة القاهرة «جبران وبليك» (1972).

   ولا يختلف أسلوبها الكتابيّ باللّغة العربيّة في دراساتها النّقديّة كثيرًا عن أسلوبها في كتاباتها الإبداعيّة، ومن شواهده؛ «الطّريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني» (1977)، و«التّابع ينهض: الرواية في غرب إفريقيا» (1980)، وصدر لها في النقد التّطبيقي: «صيادو الذاكرة» في عام 2001. وجرت على ذلك في كتاباتها المقاليّة كما في؛  إحسان عباس، ابن عين غزال.وعن الجامعة. وردّ على رسالة إلى رضوى. وشهادة كاتبة. وقانا(2). ولكلّ المقهورين أجنحة .ولكلٍّ غرناطته .وصبرا وشاتيلا: تاريخ المذبحة. ورسالة إلى أوروبا. وإن بدا حضورها النّقديّ أعلى صوتًا في بعض مراحل ممارستها الإبداعيّة.

   وفازت الرّوائية رضوى عاشور بجائزة العويس الثقافية في دورتها الثانية عشرة في حقل الرواية. وجاء في بيان الجائزة : "إن عاشور تكتب بأساليب سردية متنوعة وتعي هويتها الأصيلة إسلاميًّا وعربيًا، وتحتوي رواياتها على لحظات متداخلة بين الأمس واليوم، وهى تستحق الجائزة لما أحدثته من منعطف واضح في الرواية العربية. وعاشور قاصّة وباحثة وأكاديمية بالإضافة إلى كونها روائيّة. حصلت على الدكتوراة في الأدب الإفريقي- الأمريكي من جامعة ماساشوستس بأمهرست في الولايات المتحدة الأميركية 1975. وكانت تعمل أستاذة بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة عين شمس. وهي عضو مؤسس في لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، ورئيسة تحرير كتاب «المواجهة لسان حال اللجنة"(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015). وتوفيت إثر مرض عضال عانته أزيد من ثلاثة وعشرين عامًا.

   وأمّا موقفها من إشكاليّة تجنيس الرّواية التّاريخيّة، ومن العلاقة بين الفنيّ والواقعيّ، ومدى الإخلاص للوقائع أو الذهاب باتجاه التّخييل، فترى رضوى أنّ  موضوع الأجناس الأدبيّة الجامدة موضوع إشكاليّ، وقد تجوزت " فكرة الجنس الأدبيّ في الخطاب النّقديّ منذ عقود. الحكي المدوّن عن بشر يفعلون وينفعلون في سياق تاريخي بعينه، والذي اصطلحنا على تسميته «الرواية»، فنّ مفتوح، مرنٌ فضفاض، أقرب لحوت الأسطورة في قدرته على ابتلاع أجسام كاملة.إنه شكل شديد المرونة يحتمل إدراج أشكال عديدة في إطاره، وكما سبق أن قلت، يسمح شكل الرواية بإسقاط الحدود بين النص وخارج النص بما يتيح للقارئ الانتقال بحركة تلقائية غريبة بينهما، حتى ليختلط عليه الأمر وهو يتابع صفحات الرواية، فلا يعرف في أي حيِّز منهما يقيم. وربما كانت هذه السمة في فن الرواية هي ما يجعلها شكلاً ديمقراطياً، تتحدى سلطة مؤلفها بأصواتها المتعددة، ولا أقتصر هنا على المعنى الباختيني للكلمة، بل أشير أيضاً إلى ذلك التقاطع بين النص والتاريخ، بين المتخيَّل والواقع، تقاطُع الحدود الفاصلة بين عالم أنشأه فرد كاتب واهماً أنه يملكه ويحكم حدوده، وزمن تاريخي أرحبَ وأعقد، لا يملك المؤلف الفرد التحكم في مساراته. باختصار؛ إن الحدود الفاصلة بين التاريخ والرواية، وبين التأريخ والرواية، حدود هشّة، قابلة لإعادة النظر فيها أو إسقاطها والانتقال بين المسعيين بسلاسة ويسر".(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209 1- 2015). وهو موقف يشي بوعيها النّقدي والإبداعيّ في بناء النّصّ الأدبيّ ودقّة رؤيتها لخصوصيّة الرّواية التي تنتجها وتمييزها لمجالاتها الكتابيّة ولحدودها الفاصلة بينها(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015)..

   ووصفت رضوى كتابتها العابرة للتاريخ في "ثلاثيّة غرناطة"، بأنّها تتطلب" جهداً خاصًّا، لكنّ القول إنّني أبدأ من الصّفر ليس دقيقاً. أولاً: لا أختار الموضوعات بنِيَّة مسبقة، بل يأتي الموضوع بصُوَره أو شخصياته ويلحّ عليّ فأبدأ في الكتابة. وثانياً، وهذا هو الأهم، إن أي كاتب يتسلط على وجدانه قولٌ ما أو قل رؤيةٌ ما أو حزمةٌ من الهواجس الملِحَّة تتشكل في سياقات مختلفة، كلُّ سياق منها يكوّن رواية قائمة بذاتها. ويمكن في تقديري لأي ناقد على قدْرٍ من الفطنة، أن يتتبع خيوط ذلك القول في الروايات المختلفة للكاتب الواحد، وإن تشعبت المواضيع وتنوعت. (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209 1- 2015). ولا يقلقها حجم الرّواية، إذ نقول:"أوّلا: ... لا نزن الروايات كما نزن كيلو من البطاطا أو اللحم. تفرض التجربة شكلَها وتطرح الطولَ أو القِصَر. «الشيخ والبحر» لهمنجواي أو «الكلب الأبلق الراكض نحو البحر» لآيتماتوف من النصوص «الكبيرة» رغم عدد صفحاتها القليل نسبياً. و«الجريمة والعقاب» لدستويفسكي و«موبي ديك» لملفيل و«مائة عام من العزلة» لجارسيا ماركيز، كبيرةٌ قيمةً وحجماً. وبين هذه وتلك رواية «العمى» لساراماغو؛ فهي متوسطة الحجم، كبيرة القيمة.ثانياً، ليست الرواية مجرد حبكة وشخصيات. وعلينا أن نعترف باختلاف مطالب القراء ورغباتهم، فمنهم من يريد من الرواية التشويقَ الذي يجده في فيلم بوليسي، يريد الحبكة وماذا يحدث، ولمن يحدث. ومنهم المقبل على قراءة الأدب ولديه حصيلة في هذا المجال، فيتوقع من رواية يقرأها أكثرَ بكثير من مجرد حبكة. لكن في كل الحالات يحتاج الروائي إلى مهارة الحكي التي تمكّنه من جذب اهتمام القارئ والاحتفاظ بانتباهه. الحكي في تقديري أساسُ الرواية، ومهارةُ الحكي شرطٌ من شروط كتابته (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015).

  وفي معرض إجابتها عن السّؤال بأن تراثك هو «تراث الموءودة»؛ أهو رأيٌ مبني على إرث تاريخي، أم ناتج عن تجربة شخصية، أم يقع ضمن السياق السياسي الثقافي الاجتماعي الذي تعيشه الأمة بعامة؟قالت رضوى:" الثلاثة معاً. فأنا ابنة تاريخ استعماري كنتُ فيه الطرفَ المقهور. وأنا أنتمي إلى الهامش المعارِض، ثم إنني امرأة تعيش في واقع ذكوري متجذِّر في تاريخ ذكوري (في ثقافتنا وفي الثقافة المهيمِنة في العالم كله"(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015).

   وأظهرت رضوى قلقها من وجود اتجاهاتٍ في الخطاب النّسويّ العربيّ تدافع عن المرأة وحقوقها تؤدي إلى التّعمية على قضايا ذات أولوية في المجتمع.تقول:" الرواية تبدأ بقانون غامض. إنّها تطالعك ذات صباح أو مساء فجأة كالعفاريت، بشخصيات أو صور أو جُمَل وإيقاعات. كيف جاءت ولماذا جاءت في تلك اللحظة بالذات؟ قد تتوفر لديك بعض عناصر الإجابة، لكنها دائماً إجابة ناقصة. وكأنّ لحظةً ما أو مشهداً ما أو حدثاً بعينه يفتح باباً على مخزون عمرك من التجارب، مخزون أكبر من انتباهك ووعيك (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015).

   وأمّا موقفها من اللّغة التي يتشكّل بها النّص الرّوائيّ فتراها عملا رئيسًا في تشكيل النّصّ. وعن دور اللّغة في ثلاثيّة غرناطة مثلا ارتأت أنّ هنالك نصوصًا تتصدّر فيها اللّغة، إذ تكون عنصرًا أساسيًا من عناصر النص الروائي، وهي تفضّل هذا النوع من الكتابة. تقول:"أعتقد أن اللغة في «ثلاثية غرناطة» هي البطل الرئيس في الرواية، لأن موضوع «غرناطة» هو محاولة محو ثقافة تليق بها الحياة وتحيا، وهي ثقافة تتمثل في اللغة بمستوياتها الفصحى والدارجة، القرآنية والتوراتية، لغة التراث الكلاسيكي والأدب العربي المعتمد ولغة الموروث الشعبي، اللغة البسيطة المباشرة لتوصيل واقعة والأقرب للغة الوثائق، واللغة المكثفة التي تطمح إلى التعبير الشعري.. إلخ. أعتقد أن جزءاً مهماً من محمول الرواية يكمن في هذه التعددية اللغوية التي يواجهها ويتهددها الصوت الأحادي لمحاكم التفتيش في النص.في نهاية الكتاب الثالث من «غرناطة» يدير «علي» ظهرَه للبحر، ويسير مبتعداً عنه بعد قرار الترحيل من غرناطة. هكذا هي اللّغة المكوّن الرّئيس للفكر الإبداعي المتجسّد في النّصّ الرّوائيّ في منظور رضوى(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015).

   وللفنّ علاقة حيويّة بالأيديولوجيا في منظور رضوى؛ إذ الفن يتضمّن مواقف أيديولوجية، بل عادةً ما يكون هو نفسه موقعًا لأصوات تأتي من مواقع أيديولوجية مختلفة. والعمل ككل ينتصر ضمنًا عبر بنيته لموقف. ولكن -وهذا مهم- لا تستقيم الأيديولوجية العارية والموقف المباشر مع الفن، وغالباً ما تُفسده. إن اشتباك الأيديولوجيا بالفن اشتباك معقّد ويتخذ مسارات متعرّجة ومتعددة. هناك المثل المعروف لدى دارسي تاريخ النقد الخاص ببلزاك، حيث كان ينتصر للملَكية والأرستقراطية على المستوى الأيديولوجي، أما الفنان فيه فقد انتصر عبر الوصف ومسار الرواية للفلاحين الذين تمردوا على الأرستقراطية. هناك ناقد فرنسي معروف اسمه «ماشري» كتبَ في الموضوع قبل أكثر من أربعة عقود. قال إن الكاتب يراقب ويحكم. عينه اللاقطة تنقل لنا تفاصيل قد تتناقض مع موقفه وحكمه السياسي. كما يستخدم هذا الناقد نفسه مجاز المرآة العمياء للدلالة على الفن، وهي مرآة في قوله تُسقط بقدر ما تُضَمِّن. ويصف مساحات الإسقاط هذه بالنقاط (مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015).

   وعن تجربتها الكتابيّة في رواية الطّنطوريّة وموضوعة تأثير القضيّة الفلسطينيّة في تشكيل وعيها الفكريّ والنّفسيّ، بل فكر مجايليها كلّهم تقول:"في «الطنطورية» روحٌ ملحمية ورصد لمسيرة شعب وتحولاته، عبر نموذج مصغَّر حين أعود إلى طفولتي المبكرة، أذكر أنّ كلمة «فلسطين» كانت تتردّد في البيت وكان الجيش المصري مشتبكاً في مواجهة القوات الصهيونية. كان عمري سنتين فلا أدري لا معنى الكلمة ولا الملابسات المحيطة بها، ولكنني أذكر ترددها في البيت تماماً كما أذكر حركة الطائرات النشطة في سماء القاهرة. وعندما حدث العدوان الثلاثي، كنت في العاشرة من عمري. أفهم ما يدور وأتابع بعض التفاصيل. وفي عام 1967 كنت أجلس لأداء امتحانات الليسانس في جامعة القاهرة، يوم الخامس من حزيران (يونيو) تحديداً كنا نؤدي امتحان اللغة اللاتينية (وقد سجل مريد ذلك في كتابه «رأيت رام الله»، إذ كنا زملاء في الفرقة نفسها). إذن تخرجتُ مع الهزيمة. تصور وقع هذه الهزيمة على فتاة منتبهة ستبدأ حياتها العملية بوعي عميق بالانكسار، وبأن الشبان الذين نُقلوا من مقاعد الدرس في الكليات الحربية قد استُشهدوا في رمال سيناء. باختصارٍ الصراعُ العربي الإسرائيلي عنصر أساس في تشكيل وعيي وتكويني النفسي والعقلي. ودعواي أنه شكّل وجدان جيلي كله الذي انتبه أن التاريخ ليس الأحداث المدونة في كتب عن الماضي فقط، بل واقع نعيشه، يصهرنا. لكن الكتابة عن الموضوع لا تأتي بقرار، فلم أكتب «الطنطورية» إلا حين قررتْ هي أن هذا وقتُ كتابتها. وربما لهذا السبب كتبت هذه الرواية في وقت أقصر بكثير جداً مما تصورت. كتبتها في حوالي عشرة أشهر، ولم أكن متفرغة تماماً للكتابة، حيث إنني ما أزال أدرّس لطلبة الدراسات العليا في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها وأشرف على أبحاثهم. يبدو أن «الطنطورية» كانت تتشكل داخلي وتتراكم عناصرها بلا وعي مني لسنوات طويلة، فلما جاءتني «رقية» والجملة الأولى من الرواية، لم يكن عليّ سوى أن أنصت لما تقوله وأدوّنه"(مجلّة الرّافد الإماراتية العدد 209، 1- 2015). 

    هكذا تشكّلت رؤية رضوى عاشور الإبداعيّة للفنّ المعبّر عن فكرها المتواصل مع الحياة العربيّة المعاصرة ووقائعها المأساويّة في السّياسة وإشكاليّاتها وتجاه المرأة وقضاياهاالمختلفة. ولضيق المقام وبغية استكمال القراءة حول الطّنطوريّة أنموذجًا أحيل قرّائي الأعزّاء إلى بحثي المنشور تحت عنوان:" رضوى عاشور الرّوائيّة في سرديّتها الطّنطوريّة؛ ذاكرة اللّجوء في المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ؛ هويّة الإنسان- هويّة المكان - سيميائيّة السّرد" في مجلّة مقاليد النّقديّة الصّادرة عن مخبر النّقد في جامعة قاصدي مرباح في ورقلة، الجزائر. العدد السّادس 2014.