الخميس | 13/12/2018
أخبار
الرئيسية » دراسات وأبحاث »   13 أيلول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 649
إطلالة على شخصية رضوى ..... إعداد : د. " محمد ياسر" الزغارنـــة

 إطلالة على شخصية رضوى .....

             إعداد : د. " محمد ياسر" الزغارنـــة

                                                                       

    تمثل هذه المناسبة – يوم رضوى عاشور – الذي تقيمه جامعة بيت لحم ، ذكرى عطرة لأديبة فذّة ، وكاتبة من أعلام الأدب الروائي والنقدي المعاصر ، وقد سَمَحَتْ لي هذه المناسبة بدراسة سيرة رضوى عاشور التي تعرفت إليها من خلال ما كتبه عنها زوجها ، وأصدقاؤها ، وزملاؤها ، ومعارفها . وقد استَقرأْتُ من هذه الكتابات ملامح شخصيتها ، وفكرها وأدبها وثقافتها ، وأسمح لنفسي عندما أتحدث عن " رضوى " ، أن لا أتحدث بكلام جمعته عنها من أولئك وهؤلاء ، بل هي محاولة اجتهادية جادة لسبر أغوار هذه الشخصية الروائية الكبيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلا . ولعل هذه الكلمة تسعفني في إلقاء الضوء على ملامح هذه الشخصية ، وأنا أحترس هنا من الإدعاء ، لأن ظلالا أخرى بقيت في تلك الشخصية لم يصل إليها ذلك الضوء.

    عاشت رضوى عاشور حياة محنة وألم ، تناوبتْها عاديات الدهر ، فصبرت " رضوى " صبرا جميلا على ماتكره ، صبرت على مرض خبيث لازمها سنين طويلة ، وصبرت على تشتّت أسرتها ما يقرب من ست عشرة سنة ، إن " رضوى " في هذا المقام " أثقل من رضوى " ، فعندما عايشت المرض وصارعته أدركت حقيقة الوجود والحياة والموت ، وقد عَرَفَت أنها لا تموت إلا بحياة ، ولا تحيا إلا بموت . لقد كانت " رضوى " ترى أن الصحة تأتي من الداء ، وترى أن النهر العظيم ينبثق من جدول صغير يُستـخَفّ به .

 

    في هذا الواقع المؤلم لم تُهزم " رضوى " ولم تيأس ، ولم تكابر ، كانت متفائلة متواضعة ، واقعية في أدبها ، مستقلة في ثقافتها ، مليحة في عقلها ، بعيدة عن الرياء والمصانعة ، اتخذت الحق معقلا ، والباطل مزهقا ، صبرت على النائبة ، وتحلّت بزينة القناعة ، لم تكن ظنينة في رأيها ، بل كانت جميلة في شمائلها ، حسنة في خصائلها ، كانت صاحبة عقل وفكر ، تستأنس بعقلها عندما تكتب ، وتجعله حَرَسا على بنانها وقلمها ، وجنانها وعيانها ، فتستميل إليه الأسماع بحسن منطقها .

    كانت " رضوى " نجمة من نجوم الأدب المتمرد على مشهد الحياة البائسة ، والواقع العربي المهزوم ، ما سفّهت الحق يوما ، وما بجّلت الباطل يوما ، يدها إلى الخير ممدودة ، عن الشر مقبوضة ، كانت ترى نفسها دائما أنها مع الحق ، أو هي الحق بعينه ، لا تقهرها الحُجّة ، ولا تنزلق إلى لُجّة ، تنصر الحجة بالمنطق ، وتهزم المنطق بالحجة . كانت مثالا للصلابة في الحق والدفاع عنه ، فحاربت السرقات العلمية التي كانت منتشرة حين كانت رئيسة لجنة ترقيات الأساتذة ، وحاربت الأساتذة النفعيين والانتهازيين الذين يمالقون عِلْية القوم ويهدون العلامات لأبنائهم وبناتهم. تحدّت "رضوى" السلطة والظلم والنفاق ، وتصدت لكل صور الفساد في الجامعة وتساءلت " متى كانت الجامعة عِزبة لذوي النفوذ ؟"

    لم تهرول "رضوى " إلى القنوات الفضائية ، والبرامج التلفزيونية ، والصحف المحلية تبغي بها شهرة زائفة ، لأنها لم تُشايِع أهل الفساد ، أو تداهن أهل الرّيَب ، عَرَفتْ الأعالي من الناس ، ولم تعرف الأسافل منهم ، لم تستسلم كما استسلم كثير من الروائيين والأدباء إلى بريق الشهرة المصطنعة ، فجمعت قوة نفسها ، وقهرت كل غواية تتحدى كرامتها ، فظلت عالية شامخة ، ظلت مع الواقع الذي ينبض بالحياة الحقيقية ، لقد عرفت " رضوى " أين تظهر ؟ وأين تكون ؟ فكانت بين طلابها وطالباتها ، وزملائها وزميلاتها ، انخرطت معهم في التاسع من آذار لتدافع عن استقلالية الجامعات ، فشاركت في المظاهرات والحركات الاحتجاجية ، لقد ظهرت في كل موقف نبيل ، وفي كل معنى جميل .

    لقد أجمع النقاد أن " رضوى" مدرسة أدبية مستقلة ، لها منهاجها الخاص في إثبات أن الأدب يستحضر التاريخ ليرويه بلسان " رضوى " وأسلوبها المميز ، كتبت "رضوى " التاريخ بالفن ، واستدعت أرواح الناس من قبورهم وساءلتهم ، فأحيت الماضي ليلتقي بالواقع ، فجاءت فصول التاريخ والحاضر متشابهة ، فبكت غرناطة قدس المعراج وغزة هاشم.

     إن المرأة أو الأسرة التي تجري هربا في ثلاثية غرناطة من غزاة جيوش القشتالة  والأراجون ، هي الأسرة بعينها التي تشردت من طنطورية فلسطين أيام النكبة ، وهي الأسرة بعينها التي هربت من منزلها في غزة أثناءالعدوان الإسرائيلي . إن " رضوى " أرادت أن تجسد أن الموت هو موت الرحيل عن الوطن ، وأن الحياة هي حياة البقاء في الوطن ، لقد وظفت الأدب من خلال التاريخ لاستنهاض الأمة ولسان حالها يقول عن مجد العرب " فردوس مفقود ، وأمل موجود"  فكأنها تقول كما قال الأعرابي في الصحراء عن الماء : " أهون موجود ، وأعز مفقود ."

   رأت " رضوى " في عبرة التاريخ زوال قوى الطغيان والظلم ، وتأكدت أن الراكب يوما سينزل ، وأن الماشي يوما سيركب ، كما رأت "رضوى" في عبرة التاريخ أيضا عودة الحق والعدل ، فوافقها التاريخ قائلا لها: يا رضوى ،" لقد ركب الخادم ومشى عمر ."

     ناصرت " رضوى " القضايا العربية والقضية الفلسطينية ، فقد استنطقت خيمة غسان كنفاني ، لأنها رأت أن الخيمة فصيحة اللسان ، بليغة البيان ، تعبر عن نكبة الشعب الفلسطيني ، لقد رسمت في طنطورية حيفا ، والطريق إلى الخيمة الأخرى لوحة المعاناة للشعب الفلسطيني ، لقد جسدت خطوب النكبة وأهوالها ، وتألمت عندما عانى الطفل الفلسطيني بؤس وشقاء الطفولة ، كما عانى الكبار مرارة الهجرة والتشرد ، لقد رأت في الطفل الفلسطيني عوارض الشيب ، فشاب قبل أن يشيب ، وشاخ قبل أن يشيخ ، فمات على صدر أمه وهو حي ، وعاش بين يديها وهو ميت ، فخرج من هذه الحياة عودا صلبا يقدح على طول احتكاكه ، فعاش مكافحا كادحا في سبيل وطنه  ومعاشه .

     لم تكن " رضوى " متقوقعة في أدبها الروائي والنقدي ، فقد قاومت الثقافة الاستشراقية ، والغزو الثقافي ، والثقافة التابعة ، ونادت بالثقافة المستقلة ، ورفضت المفاهيم التبعية التي تقود إلى التطبيع ، فقد بقي قصر غرناطة العربي عربيا ، لأنه لم يبن بهندسة غربية ، لقد ناضلت نضال الأدباء الشرفاء ، ونهجت نهجهم في التحرر والوطنية ، فعارضت زيارة السادات إلى القدس ، ورفضت التطبيع بكل أشكاله وألوانه ، لكنها دفعت ثمن هذه المواقف بكل فخر واعتزاز .

    إن الأدباء الذين يخافون على أممهم الذل ، ويرجون لها العزة والكرامة ، ويصبرون على محنة المطامع والآلام أعواما طوالا ، أولئك هم عظماء الأدباء ، وأولئك هم شرف الآدمية ، والمعنى الذي تطيب من أجله الأرض ، وتنظر من صوبه السماء .

    رحمك الله يا " رضوى " وطيب ثراك ، لقد كنت دائما عند رأس الأمر ، ولم تكوني عند ذيله أبدا.