الخميس | 13/12/2018
أخبار
الرئيسية » دراسات وأبحاث »   13 أيلول 2015طباعة الصفحة


عدد المشاهدات: 339
رضوى عاشور... جدارة الإبداع / د. سعيد عياد

 رضوى عاشور... جدارة الإبداع

د. سعيد عياد

رئيس دائرة اللغة العربية وعلومها التطبيقية وأستاذ في الصحافة والإعلام

       

عاشور لم تكن مجرد كاتبة رائعة تتقن نسيج النص، وإنَّما تخطَّت بروائعها النصية حدود الجمال الإبداعي، إلى تأريخ لهُويةِ وحضارةِ وثقافةِ إنسانٍ أكد وجوده منذ آلاف السنين ليكون جديرا بفلسطين.

        بدأت رضوى عاشور حياتها برحلة ”طالبة إلى أمريكا“ اغتربت جسدا عن وطنها، درست هناك، عاينت الحقيقة، استفادت واكتسبت ما يجب أن يكون، وتركت ما يجب أن يترك، عادت إلى مصر وسجلت ما كان في كتاب،  ولكن وعيها ضاقت عليه الكنانة بما رحبت، فنظرت فيما حولها، تفرّست، فكّرت، قدّرت، تدّبرت، فقرّرت أن تكون أكبر وأكبر، فربطت مصيرها بفلسطيني شغله وطنه المعذب؛ فصاغه شعرا صانعا من كلمات حبا ونارا، وعزما وتحديا، فوجدت فيه ما يشبع أفق مستقبلها، فالتحمت الكلمات معا وصنعت بجمالها الشعري وبجزالة نسيجها الأدبي ملحمة أدبية بين زوجين قل نظيرها.

        عاشور لم تتبوأ مكانتها الرفيعة في عرش الأدب بقرار من سلطان، أو بإنتاج إعلام موجه أو مزيف، أو بشهادة زور من نقاد ينشطون في سوق نخاسة الأدب كثر عددُهم اليوم، واتّسع زمانُهم بفعل مصادرة النص الوطني، وإنما استحقت مكانتها بجدارة المبدع الذي يصنعه أمران: أولهما قلم حر شريف، وثانيهما: قضية وطنية قومية تخلّى عنها تجار السياسية ومروجو الكلام الهابط.

        إنك حينما تقرأ لرضوى عاشور فإنك تقتحم عالَمها الذاتي، ولكنك  سرعان ما ستكتشف أنك لا تقرأ ذاتا لفرد،  وإنما تقرأ العالم الواسع بكل ما فيه من آخر، ومن عبودية، ومن نضال، ومن انشغال بهموم العربي، ومن انشغال الإنسان بهمومه الإنسان أيا كان ومن كان،  لقد استطاعت عاشور بنصوصها الإبداعية والنقدية أن تجعل منها مرآة ينعكس عليها وفيها العالمُ، فهل ثمة إبداع أكثرَ صدقا وأعظم رصانة من أن تقرأ الآخر بكل تجلياته من خلال كاتب واحد؛ ذلك كان لأن عاشور تعالت عن حدود المزيف كله، فصعدت بنصها السردي الإبداعي ونصها النقدي إلى آفاقٍ عجِز عنها كلُ منتحلي النص أو مدعي النقد، لأنها منذ أن نطق قلُمها الحرف الأول، قررت أن تكون سيدة موقف، وأن يكون نصُها القرار الفصل في مواجهة التشويه، فبصيرة قلمها تجاوزت بريق أقلام الكثيرين، الذين ينطبق عليهم عنوان أحد كتبها ”صيادو الذاكرة“ كما تخطت باقتدار جدران الخطاب الأدبي والسياسي المهيمن، حينا ولجت بكتاباتها النقدية فضاء ما بعد الاستعمار لا سيما الفضاء الإفريقي المضطهد حيث تشاركنا إفريقيا ظلم مستعمر واحد، كما تشبهنا في الإنسانية التي سعى الظالم إلى اغتيالها واستبدالها بعبودية أبدية، ولأن الكاتب الحقيقي الإنساني الذي لم يقهره المستعمر يرفض أن يتدثر بمزيفات الظالم، فإن إنسانيته تتجلَى بالانفتاح على ثقافة الآخر سواء كان ظالما أو مظلوما، فإنها من خلال دراستها لأعمال الكاتب الإنجليزي الشهير شكسبير الذي ينتمي إلى قطب الاستعمار الأول، أو روايتِها ”قطعة من أوروبا“ استطاعت أن تقيم جسرا بين ”الأنا“ بكل معانيه ”والآخر“ بكل دلالاته.

        كان سؤال العروبة المنتصرة في الماضي والمنكسرة في الحاضر، والمفككةِ بالذات، حاضرا بقوة في وعي عاشور، أحيانا يكون مؤرقا، ولكن في أحايين كثيرة كان تحديا، فهي دائما كانت ترفض السقوط في اللحظة أو الاستسلامَ لها، فبقدر ما كان السؤال ملحا، كان التحدي أعظم، وهكذا ولدت ”ثلاثية غرناطة“ كما أبصرت ”الطنطورية“ في زمن الانكسارات العربية.

        فهذه المرأةُ المصريةُ بفنِها الإبداعي، وقلمِها الرصين، ورؤيتِها الثاقبة، تخطت تخطت حدود الجغرافية التي اصطنعها ”سايكس بيكو“ لينتج حالةً عربيةً مناقضة لعروبة الجغرافية والتاريخ والهُوية، تحررت بجدارةٍ من قبضة القطريةِ والإقليميةِ والقبلية، لتؤكد بكتابتها عن فلسطين ولفلسطين، وبزواجها من فلسطيني لتصبح أُمَّا لفلسطينيين، أن الإبداع الأدبي بكل تجلياته نصا ونقدا يمكن أن يستعيد خريطة العروبةِ ووحدتِها، حيث شكل نصُها الروائي، وشعر زوجِها مريد كما شعر نجلِها تميم، ثالوثا عربيا مقدسا تجلّت فيه وبه وحدةُ العرب، بعد أن ضيّعها عربٌ مستعربون مستغربون تائهون في صحراوات الجهل  والارتزاق السياسي على أعتاب بيتٍ خدعَهم لونُه الأبيض.

        رضوى عاشور حينما استعادت ”بثلاثيتها“ تاريخا عربيا قديما سُطّر في الأندلس، لم تكن كأولئك العاجزين عن صناعة الحاضر فيهربون إلى الماضي، ولكنها أرادت أن تستعيد الحاضر المضيّع بل تحصن المستقبل، بأن تجعل العربيَ في مواجهة نفسه ليحاكم ذاته بالحفر في داخله، لعلّه يُغيّرُ ما بنفسه من هزائم ويأسٍ وعبوديةٍ، فيستعيد هُويتَه التي رهنها لعولمةٍ أو لشهوةِ حكمٍ ضاع في سبيلها الميراثُ والوارث.

        لم تكن ”الثلاثية“ رؤية عبثية أو مجرد استدعاء لماضٍ فرط، بل هي عزيمة كان أكد عليها عملها النقدي الأسبق المعنون ”التابع ينهض“ حينما صورت بإبداع فاق الإبداع تحرر الأفريقي المعذب المسترهن للعبودية من خلال دراستها للأدب الأفريقي الثائر.

        ”حجر دافئ“ و ”خديجة وسوسن“ و ”سراج“ و ”السيدة راء“ عنوانات روايات لإبداع متمدد على كل تفاصيل الإنسان بكل ما هو إنسان وفي الأسمى منه المرأة، فعاشور هي الأقدر حينما كتبت عن ”خديجة وسوسن“ لتلج السر العظيم للوجود وهو أم هذا الوجود المرأة، فحسمت المسألة بألا وجود بدون امرأة.

        كانت ثائرة على طغيان اللاحقيقة، لم يرهبها المسكوت عنه، ولم يردعها شيطان التقاليد، ولم تغْرِها المواقع أو يُبْهُرها ضوءُ الجاه، فقط كان شاغلها الإنسان، الوطن، العروبة، فالقيمة فيما تكتب لا فيما يُصنع لك.

        رضوى عاشور هذه المرأة الشامخة بجمالها الإنساني الفريد القادمة من ظلمات الريف المصري، أيقنت بفطرتها الطاهرة وبوعيها المجبول على حب الغير، أن ثمة على الجانب الآخر من أرض الكنانة، توجد أرض كنعان وفيها ”ما يستحق الحياة“ ( محمود درويش ) فكتبت عن ”الطنطورية“ وتبحرت في نصوص غسان كنفاني، لتستنهض وعينا من جديد، وتشكل بنصوصها الإبداعية والنقدية حصنا لوعي عربي فلسطيني، فكان ما أبدعته سيظل الرواية الفلسطينية لحق توهم المحتلون أنهم سلبوه.

        فإذا كان الاحتلال الململم من أشتات الأرض، أزال بالتزييف والمزورات معالم المكان ليقيم على أنقاضها أكذوبته المخترعة، فإن ”طنطورية“ رضوى عاشور أعادت بناء ما كان، ليس حروفا وكلمات وإنما من أجل الحقيقة التي سيبقى وجودُها حاضرا ومستقبلا، دون أن تنال منها أبنيةُ حجر مزيفة أو اصطناعُ ذاكرةٍ إسرائيلية لما ليس له وجود.

        في ”الطنطورية“ لم ترسم خريطة فلسطين وتفاصيل الظلم كما تفاصيل الصبر والإصرار على الوجود فقط، بل أعمق من كل ذلك وأبعد من ذلك، فقالت ما لم يقله سيف عربي لا يجيد إلا ”التهويش“ أو شعارُ متزعمٍ طارئ،  قالت هنا كنا وهنا سنبقى، وبغير تراب فلسطين لن نتدثر، إنها أيقوناتُ الوجود بل تعاليم تستنهض من الموت حياة، فكل عباءات التاريخ المزيفة لن تحجب ”طنطورية“ فلسطين بدلالاتها المجازية والصريحة.

        كُرِّمت عاشور بجوائز من شرق وغرب، ولكن كل الجوائز، مهما عظمُ شأنُها، تبقى دون قامة قلمِها، الذي لم ينحنِ لسلطان جائر شتت زوجَها الفلسطيني عام 1979 الفارط وأبعده عن دارتها، وعلى عكس ما كان يريد السلطان المصري، اكتسبت من الفلسطيني اللاقهر كما هي كانت أعادت إلى داخل الفلسطيني الحب المفقود.

        رحلت رضوى عاشور فرحلت معها قطع من زمن الأدب الرصين، توقف قلمها عن الكلام، ولكن صوت نصها المتمدد في وعي الأحرار لن يرحل بل سيتوالد مستقبلا أجمل لطالما راهنت عليه، فهل من كتب للمستقبل بعين الثاقب يمكن أن يرحل حتى لو مات؟

        سلام لك رضوى عاشور، بقدر ما سطّرت من حروف من أجل فلسطين، وبقدر ما تمكنّت من استعادة عروبتِنا المنهوبة، فأنت المصريةُ الفلسطينيةُ العربيةُ الجديرةُ بكل هذه الصفات والجديرةُ بإبداعها، وكما قال زوجُك مُريد ”افتحوا الأبواب لتدخل السيدة“.